البحث عن الموتى في ركام المدينة القديمة

المنصة

ترجمة: طارق الطائي

“هذه هي الذراع الاخرى”، صاح
داؤود سالم محمود بصوت مرتفع، وتسأل بينما كان يرفع عظم الذراع من الانقاض “هل
كانت ترتدي عباءة؟”. حمل قطعة القماش العالقة بما تبقى من لحم عظم الذراع بين
كفيه الى مجموعة صغيرة من الناس تقوم بالبحث ايضاً، وأضاف قائلاً “هذه عباءة سوداء
اللون”.

السيد محمود ومجموعة صغيرة من الرجال يبحثون
بهدوء عن ممتلكاتهم الشخصية، تحت انقاض الجدران المتداعية لمنزل العائلة، في بقايا
محلة مهدمة بمدينة الموصل.

لقد كان العمل بطيئاً جداً وشاقاً في الوقت
نفسه. كانوا يهمون بالبحث عن الموتى.

وبعد ما يُناهز الشهرين من المعركة الشرسة
التي دامت تسعة أشهر لتحرير مدينة الموصل من تنظيم “داعش”، فان مُعظم جوانب
المدينة القديمة تحول الى رُكام. فقد نفذت القوات العراقية المدعومة من طائرات التحالف
الدولي ضربات جوية متواترة، ومن جهة أُخرى، قاتل مسلحو “داعش” بشدة في المواقع
التي تمركزا فيها.
ربما لقي آلاف المدنيين حتفهم في العمليات القتالية، وكثيرٌ منهم
بقيّ تحت الانقاض.

الآن وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، تحول
تركيز المدينة إلى عملية إيجاد الرفات بهدف إعادتهم إلى عوائلهم. أُوكلت هذه المهمة
الى العاملين في الدفاع المدني الذين تركز جُلّ تدريبهم في الغالب على إطفاء الحرائق
وعمليات الإنقاذ.

لقد ركزوا عملهم على منطقة المدينة القديمة
المدمرة بشكل شبه كامل. اذ كانت المعقل الاخير لمقاتلي “داعش”. هناك يتحرك
العمال بحذر شديد بهدف تجنب مُخلفات القنابل والاحزمة الناسفة غير المنفجرة، وفي شهر
أب/أغسطس الماضي، قُتل أحد الضباط وأُصيب ثلاثة من أعضاء طاقم الانقاذ بجروح عندما
أخفقوا في تفكيك قنبلة.

في هذا اليوم من عمليات الانقاذ، عمل طاقم
الانقاذ ببطء وانتظام، بينما كانت سندس نزال وزوجها وعمتها نظيرة عزيز المتقدمة في
السن ينتظرون بفارغ الصبر لأي أثر يعود لأقاربهم أو ممتلكاتهم الشخصية.

جلست السيدة نظيرة عزيز صاحبة المنزل على
كرسي بلاستيكي على بعد 15 قدماً من الة الحفر، ورغم ان غبار العمل يخنقها في أحيان
كثيرة فسائق الحفارة يُلقي ركام منزلها بجانبها اكداسا اكداسا، الا انها رفضت الابتعاد
عن مكانها الذي كانت ثابته فيه.

صاحت السيدة بأعلى صوتها على سائق الحفارة،
وطلبت من الرجال الموجودين في الاسفل جلب الكتب والحقائب التي شاهدتها بين الركام.
ومع نهاية النهار، وجدت نفسها محاطة بكومة من الأشياء البالية أو المُمزقة التي تريد
أن تأخذها معها. وعندما قال لها الرجال بأنهم غير قادرين على أخذ جميع هذه الممتلكات
معهم، تقريبا أعلنت رفضها مُغادرة المكان.

‘‘الخطر لا يزال محدقاً‘‘

الرجال كانوا في حالة تأهب قصوى، قالوا:
“قبل أسبوع أطلق “داعشي” النار علينا وفررنا في الحال”. من الصعب
فهم كيف يُمكن لمقاتل من “داعش” أن يظل على قيد الحياة بعد أشهر من انتهاء
المعركة، سيما في منطقة تم تدميرها بشكل كامل، لذا أغلقت القوات العراقية المدينة القديمة
أمام السكان الذين اعتادوا العيش هناك.

بعد وقت قصير من وصول طاقم الانقاذ في الصباح،
بدأ بعضهم بالصياح، عثروا على شاب مختبئ في بناية منهارة جزئيا، إذ تمكن من البقاء
على قيد الحياة في منطقة معزولة عن بقية أجزاء المدينة بعد أشهر من انتهاء العمليات
القتالية.

نفى الشاب أن يكون مقاتلاً في التنظيم،
لكن تم العثور عليه ومعه هاتف محمول وبعض المال ومجلات للبنادق الالية، سلم افراد طاقم
الانقاذ الشاب الى قوات الشرطة الاتحادية المتمركزة في مكان قريب، ثم واصلوا عملية
البحث.

وقالت رابية أبراهيم حسن التي تقود جهود
الإنقاذ: “لم نحصل على رواتبنا لأشهر عدة، ولكننا نعد ذلك واجباً تجاه المجتمع”.
وأضافت “سنستمر حتى ننتهي من عملنا هنا”.

وفي وقت سابق من النهار، أكدت السيدة نظيرة
نزال بان عظم الذراع يعود الى شقيقتها. الان، وبعد ساعات من عمليات الحفر، وجد فريق
الانقاذ والدتها في السرداب، الجزء الاكبر منه لم يتهدم والرفوف تقف على جدارنه، حتى
جسدها كان سليماً بشكل كامل لكنه تفسّخ بعد أشهر قضاها تحت الانقاض.

ثلاثة رجال عملوا بشكل دقيق، نبشوا بأيديهم
لإزالة قطع قذائف الهاون والمعادن الملتوية حول جسدها، حرصوا على إخراج جسدها بعناية
قدر الامكان.

جل النهار، والطاقم المكون من عشرة رجال
يعمل بشكل متناوب، باستخدام الحفارة لإخراج جثتين فقط، فهؤلاء الرجال ينتظرهم عمل لأشهر
أخرى، اذ يكلفون بإخراج من دفنوا على عجل خلال العمليات القتالية قبل أن يفر ذووهم
من المدينة القديمة.

خمسة من أفراد عائلة فؤاد محمود سعدي لقوا
حتفهم في أسبوع واحد من شهر حزيران / يونيو، عندما كانت القوات العراقية تتقدم لاستعادة
المدينة القديمة. زوجته وابنته ذات الـ 10 سنوات، وزوجة شقيقه قُتلن عندما اصابت منزله
بما كان يعتقد انها ضربة مدفعية ثقيلة كانت تستهدف مقاتلي “داعش”.

وقال سعدي “أخبرونا بالبقاء في المنزل،
ثم استهدفونا”، نجا الرجل وشقيقه وفي صباح اليوم التالي ومع استمرار القصف، دفنوا
الجثث قبل ان يهموا بالفرار.

عاد سعدي مع فريق الدفاع المدني الى المكان
الذي دفن فيه جثث أسرته لنبش القبر على مشارف المدينة القديمة والقيام بعملية الدفن
المناسب لهم، وبناءً على طلبه، قام الفريق المكون من عشرة رجال بالحفر، لم يستغرق الامر
طويلا للوصول الى الالواح الخشبية التي استخدمها في تغطية الجثث.

انتشل الرجال الرفات ووضعوها في أكياس بيضاء
مخصصة للجثث، بينما كان السيد سعيد منحني الى الارض في محاولة منه التعرف على رفات
عائلته. لم يكن ثمة متسع من الوقت للحزن بينما كان الرجال يحملون الجثث الثلاث ومروا
من فوق الانقاض خلال الشوارع المُدمرة التي لم يتم تطهيرها من المواد المتفجرة بعد.

لم تكن هذه نهاية قصة الرجل المأساوية،
فقد قتل شقيقاه أيضا في الأسبوع نفسه الذي فقد فيه زوجته وابنته، يومها تداعى منزلهم
بضربة جوية كانت تستهدف مقاتلي التنظيم في المنطقة ذاتها.

أعاد سعدي دفن رُفات زوجته وابنته، وفي
اليوم نفسه الذي اخرج فيه عُمال الدفاع المدني رُفات شقيقيه من منزلهم، وقبل غروب الشمس،
كان السيد سعدي قد انتهى من دفنهم في أربعة قبور، جنباً الى جنب، في مقبرة تقع غربي
الموصل.

لم ينهار أبداً، ولكنه كان ينحب بهدوء على
مدار النهار، وكان يُشغل نفسه بعملية توجيه عمال فريق الانقاذ.

وعندما قام بدفن رُفات زوجته وابنته، طأطأ
رأسه ووقف في القبر لبرهة من الزمن، بدا وكأنه لن يخرج من الحفرة ابداً. كان يجب عليه
أن يقوم بدفن شقيقيه ايضا.

المصدر: نيورك تايمز 9/10/2017
ادناه رابط المقال الأصلي:

https://www.nytimes.com/interactive/2017/10/09/world/middleeast/mosul-iraq-rubble-dead.html

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى