سرير واحد لكل 19 ألف انسان في مشافي الموصل

الموصل خرجت من الحرب كما يخرج المريض من
صالة العمليات، رقصت وغنت تحت تأثير المخدر، لكنها اليوم تصحو على جراح عميقة،
ولعل أشدها الدمار الكبير الذي اصاب القطاع الصحي.


خاص المنصة: عمر القاسم

لن تكون محظوظا إذا وجدت نفسك مضطرا لمراجعة مشفى
في الموصل، مثل السيدة ام احمد، التي وصلت على كرسي متحرك الى مستشفى السلام،
في مدينة كانت تقدم خدمات طبية جيدة قياسا بالمدن العراقية الأخرى قبل ان تحل
الكارثة الكبرى بعد سيطرة تنظيم “داعش” عليها.

السيدة العجوز انتظرت في طابور طويل جالسة
على كرسيّها وقد ظهرت علامات الألم على وجهها المليء بالتجاعيد، وهي تتحامل لحين الوصول
الى جاهز التصوير الاشعاعي، فهل تكون من المحظوظين الذين يظفرون بهذه الفرصة التي
صارت صعبة المنال.

يقول الطبيب الموصلي سعد سالم، لدينا جهاز تصوير اشعاعي واحد فقط في المشفى، نلتقط يوميا 50 اشعة للحالات
الطارئة، بينما نعتذر عن نحو 50 حالة أخرى لمرضى يقفون في الطوابير يوميا. نخشى ان
يصاب الجهاز اليتيم بالعطب فنتوقف عن العمل.

هذه الحالة تثير الفضول للتعرف على مستوى الخدمات الطبية في المدينة
بعد 3 أشهر من اعلان تحريرها بالكامل. لا شك ان المؤسسات الصحية كانت الضحية الأكبر
في مرحلة تنظيم “داعش” والعمليات العسكرية، “نسبة اضرارها تصل الى
80%.
ثلاث مشافٍ فقط تعمل هي الخنساء للنسائية والاطفال وابن الاثير للأطفال
والموصل، بعدما خرجت عن الخدمة 6 مستشفيات مهمة”
، يؤكد الطبيب سالم الذي يقود حملات تطوعية لتأهيل بعض المرافق الصحية.

مستشفى السلام تعرضت لدمار كبير بعدما دارت
فيها معركة ضارية بين الجيش العراقي ومسلحي داعش، اعيد فتحها في بناية بديلة قبل
اشهر، لكن بعدد اسرّة وقدرة علاجية لا تتجاوز 20% قياسا بما كانت عليه قبل الحرب.

حيثما كنت في الموصل، اذا اردت الحديث عن حجم
الاضرار في القطاع الصحي، بإمكانك الإشارة الى مدينة الطب التي تقع على مرتفع في الجانب
الأيمن، هناك كانت خمس مشافٍ هي الأهم والاكبر في عموم المحافظة، وقد احالتها
الحرب الى بنايات مدمرة بنسبة 90%.

مشافي “دمج”

بالنتيجة لقد نجت مستشفى واحدة فقط في الجانب
الأيمن هي مستشفى الموصل، تستقبل المرضى منذ ثلاثة أشهر بعدما ساهمت المنظمات الإنسانية
في تأهيل جزء منها.

والمشافي التي فتحتها مديرية الصحة، ما زالت
تعمل بربع طاقتها او اقل، بسبب عملية الدمج، نحن نتحد عن ثمان مشافٍ تم دمج كل
اثنين منهما في بناية واحدة! حتى المشفى الذي نجا من الدمار هو يعمل الان بأقل من
طاقته الطبيعية بكثير.

في الطابور يشتد الالم على المرضى، ثلاث
ساعات وام احمد تنتظر، قالت بصوت عالٍ لـ (المنصة) وقد وضعت يدها على ظهرها المحدودب:
نفد صبري، اين هي وزيرة الصحة والمسؤولون في نينوى من هذا الوضع المزري، نعيش بفضل
المسكنات”. اغمضت عنينيها ودست حبة بيضاء في فمها.

المعاناة التي نتحدث عنها هنا ظاهر عامة
وليست حالات فردية، الموصل ثاني اكبر مدينة عراقية لا يتوفر لسكانها البالغ عددهم
نحو 1.5 مليون نسمة، الحد الأدنى الخدمات الطبية، “اذا اعتبرنا ان عدد الاسرة
وحدة قياس بسيطة للمستوى الصحي، فان الـ 3500 سرير التي كانت موزعة على مشافيها
هبطت الى اقل من 800 أي سرير واحد لكل 19 الف نسمة تقريبا، ومعظمها في مقار بديلة
لا تصلح ان تكون مشافيا”، يقول معاون مدير عام صحة نينوى الدكتور فراس عقراوي.

ويضيف لـ (المنصة)، “المعضلة الأخرى عدم
توفر أجهزة طبية، المشافي الحكومية كلها من دون جهازي (مفراس) و(رنين)، بالتالي لا
نستطيع التعامل مع الحالات المرضية في رأس المريض مثلا”.

الى بغداد لعلاج القلوب والجيوب

حالة ام احمد تعد بسيطة قياسا بأمراض أخطر لا
علاج لها في المدينة، كالأمراض السرطانية التي تحتاج الى جرعات ذرية متواصلة،
والعمليات الجراحية الباردة والكبرى وفوق الكبرى، وامراض
العيون والانف
والاذن و
الامراض الباطنية وغيرها، لذا يسافر المرضى مسافة 400 كم للعلاج في بغداد
واحيانا الى إربيل.

صالح الشوكة – 57 عاما – يعاني من تصلب في
الشرايين وصل وزوجته الى بغداد لإجراء عملية قسطرة، وعليه الانتظار هناك 3 أسابيع لحين
حلول موعده.

“خرجتُ من الحرب بخفي حنين، البيت تدمر
بالقصف والسيارة احرقها تنظيم “داعش”، وانا الان استدين المال لأنفق على
سفرتي العلاجية، لو كانت المشافي عامرة في مدينتي، لما واجهت هذا العناء، يقول
الرجل باتصال هاتفي أجرته معه (المنصة) بعد سفره.

بغداد ليست مقصدا للمرضى فقط، فموظفو دائرة صحة
نينوى يقصدونها للتوسط بشأن رواتبهم التي لم تصرف لغالبيتهم منذ سيطرة “داعش”
على الموصل قبل اكثر من 3 سنوات.

ان في ذلك قصة مرض مليئة بالشجون، انه مرض
الجيوب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى