التعايش المستدام

تتميز المجتمعات المعاصرة بالتنوع افقيا وعموديا وما يشكله التنوع الافقي بتشكلاته المختلفة العرقية والطائفية والدينية والقبلية ولدت الحاجة الى ادامة هذا التنوع، عبر ضخ العوامل التي تعمل على استمراره من دون احتكاكه وبروز عوامل الاصطدام فيه، كما عملت بعض الادارات السياسية الرشيدة في المجتمعات المتنوعة على ضمان ادامة التعايش عبر قنوات سياسية وقانونية وثقافية.

 

من المهم ان نوضح ما هو التعايش المستدام ؟

في معناه الحرفي، يعني التعايش القبول بالآخر بما هو عليه من دون رغبة في ارغامه على تبني فكرة أو عقيدة مختلفة، أما الاستدامة فتعني الاستمرارية والرغبة في البقاء.

ومن هنا فان التعايش المستدام يتمثل في الحث على استمرارية العيش المشترك، وقبول الاطراف الاجتماعية لبعضها البعض من دون اجبار الاخر – المختلف – على اعتناق فكرة محددة او محاولة صهرها قسريا في بوتقة اجتماعية واحدة.

وثمة مفاهيم أخرى ذات ارتباط وثيق بالتعايش، أهمها القانون، فقد تأسست الانظمة السياسية الحديثة على فكرة العقد الاجتماعي المتمثلة بمفهومها الحديث وهو الدستور، والذي تسن عبره القوانين والتشريعات وتفوض باسمه حقوق المكونات الاجتماعية وان يلتزم الجميع باحترامه حكاما ومحكومين – نتحدث هنا عن حالة مثالية.

بوجود القانون الذي هو عصب التعايش، تشعر المكونات المجتمعية بضمانات التعبير عن الرأي والحرية في ممارسة طقوسها وعباداتها، وضمان عدم انتهاك حقوها، فضلا عن الشعور بالأمن والاستقرار لما توفره القوانين من إدامة سبل التعايش وعدم احتكاكها، كما تضمن القوانين العدالة في التقاضي امامه بغض النظر عن صفة ولون ولغة الشخص.

لذلك ان اشاعة ثقافة احترام القانون تشكل اهم قناة للتعايش المستدام بين المكونات الاجتماعية المتباينة، وتشكل سويسرا اوضح الامثلة على التنوع اذ تضم اربع قوميات هي الفرنسية والالمانية والإيطالية والرومانشية، ولجميعها حقوق كاملة وهذا يوفر استدامة للتعايش بين مكوناتها منذ نحو قرنين.

 

تجارب التنوع و”التوحد”

ربما لا يكفي القانون وحده دائما، فتجارب التعايش المستدام قد تسعف نفسها بالمخزون التاريخي للتباين المجتمعي، فتجربة الامريكيين في حربهم ضد بريطانيا في القرن 18 شكلت عنوانا مهما لهم في الاستقلال ومقاومة اي نزعة تعمل على انهاء تجربة العيش المشترك على الاراضي الجديدة.

وبعدهم بـ 160 سنة تقريبا استفاد الالمان من تجربة النازية في قبولهم للأخر وتجاوز مزاعم “النقاء العرقي” ما جعلهم اليوم من ابرز المجتمعات ذات التكوين الاجتماعي المتباين المتميز بالتعايش المستدام.

وثمة تجارب أخرى في السياق نفسه كالتجربة الماليزية المتميزة وما حققته من التعايش المستدام فيها انعكس على ازدهار اقتصادي ورفاه اجتماعي، بينما نماذج الاكراه في المجتمعات المتنوعة والتي حاولت فيها السلطة تذويب المكونات قسريا لانتاج مجتمعات “مصابة بالتوحد” فانتهت تلك التجارب الى فشل وتأخر اقتصادي وسياسي ونزاعات داخلية وانقسام حاد، كنموذج يوغسلافيا سابقا والاتحاد السوفيتي السابق، والتي حاولت جمع المكونات المجتمعية فيها تحت عقيدة سياسية واحدة وبالإكراه الى فشل وتفكك.

 

التعايش المستدام في الموصل؟

وبقدر تعلق الامر بمدينة الموصل فان التجربة التاريخية تبرز محاسن عدة للتعايش الذي استدام قرونا طويلة بين مكوناتها، ولكن الضربة القاضية اتت لها من الحاضر على يد تنظيم “داعش”.

ما تحتاجه الموصل بعدما خاضت تجربة حكم داعش، اذكاء عوامل البقاء والاستمرار في العيش المشترك وادامة ذلك البقاء، لأنها تعرف بتنوعها الاثني والديني عبر جملة اجراءات سياسية واقتصادية وثقافية، وان يكون القانون عصبا قويا لإدامة هذا التعايش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى