دروس الحرب والسلم في البوسنة والهرسك (1)

الحرب المجمدة ستشتعل مجدداً


 

قيل ان “التاريخ معلم الحياة والبشرية”، لكن يبدو اننا لا
نتعلم منه، فها هي الحروب تتكرر وتتشابه في أسباب حصولها.

بهذه الكلمات يستهل الدكتور غوران سيميتش، وهو خبير في مجال العدالة
الانتقالية، واستاذ جامعي، كان شاهدا على الحرب الأهلية في البوسنة والهرسك
(1993-1995)، وألف عددا من الكتب عن الابادة الجماعية والعدالة الانتقالية، ووثق
شهادات العشرات من ضحايا الحرب الدموية التي اوقعت أكثر من 100 الف انسان، رؤيته
عن مستقبل بلاده التي تتهددها الانقسامات ويترصدها شبح عودة الحرب.

يقول سيميتش “رغم كل التطور التكنلوجي ما زال الانسان بدائيا ولم
يحقق التطور الاخلاقي المتوافق مع التطور العلمي والتقني” ومع مصالح الساسة
وتجار الحروب، تتهدد الصراعات التي تحركها النزعات القومية والطائفية دولاً كثيرة.

يورد سيميتش جملة من تجارب وعبر الحرب البوسنية، والعقبات
في طريق تحقيق العدالة الانتقالية، وهي دروس يمكن تعميمها في اي مكان يشهد صراعات
أهلية، يقول:

– لا يمكن تحقيق مفهوم العدالة الانتقالية في البوسنة والهرسك دون
مواجهة الماضي، لا بد من التركيز على القيم الحاسمة لتحقيق العدالة، والاهتمام
بدور وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في تعزيز السلم بكشف الحقائق وعرض
أحداث الحرب وعواقبها ومحاسبة المسؤولين عنها لا اخفائها
.

– قادة الحرب هم قادة السلام، وهم عندما يعقدون اتفاقات السلام لا
يقبلون حقيقة ان السلام يجب ان يمر من خلال محاسبة امراء الحروب
، الرجال
الذين كانوا جزءا من المشكلة لا يمكن ان يكونوا جزءا من الحل
.

– الدولة لا ترغب في كشف الحقيقة لأن هناك رجال سياسة متورطون، لذلك
الامر يتطلب تعاون بين الناس والصحفيين والمنظمات المدنية وتشكيل قوى ضغط من اجل
كشف الحقائق وتحقيق العدالة وبناء المجتمع المؤمن بالتعايش وعدم تكرار الحروب
مستقبلا، اما التخندقات الحالية فهي ستؤدي للحروب
.

– الحرب تورث الانقسام، لا يوجد اليوم شعب بوسني، هناك شعب كرواتي وشعب
صربي وشعب بوشناقي، هناك من يحاول ويكافح من اجل بناء الدولة لكنهم مهمشون ومحدودو
التأثير، فيما رجال الدولة المؤثرون لا يتحركون في الاتجاه الصحيح تحت تأثير
مصالحهم وبحكم طوائفهم لا يسعون لتحقيق السلم الشامل
.

– خلفت حرب البوسنة والهرسك 30 الف امرأة من ضحايا العنف الجنسي، واكثر
من 700 مقبرة جماعية دفن فيها ما يزيد عن 30 الف ضحية، ومن مجموع اربعة ملايين
انسان سكان البلاد، هناك 100 الف قتيل تقريبا، في كل بيت قصص مفجعة، رغم ذلك نتطلع
للسلام، اذ لا بديل عن السلام
.

– العدالة لن تتحقق بدون التعامل مع الضحية انسانيا وفهم معاناته، ما
فرضه المجتمع الدولي والمحامون هو عدالة قانونية مشوهة لا تؤمن حقوق الضحايا ولا
تعني بالنسبة لهم شيئ
، المحاكم
لا تقدم المعونات، لا تقدم الصحة النفسية والدعم الاجتماعي ولا تعيد الحقوق
الانسانية ولا تمحي ولا تعوض الذكريات. هذا عمل المنظمات والدولة التي لم تفعل
شيئا، ومع غياب العدالة الحروب قادمة
.

– المشكلة ليست في 30 الف ضحية للعنف الجنسي فقط، بل في 30 الف مجرم يحاول
التهرب من الجريمة وممارسة حياته الطبيعية بين ضحاياه ومن الصعب ملاحقته في بيئة
سياسية لا تساعد على تحقيق تلك العدالة. هناك 100 الف مجرم لكن يتم فقط ملاحقة 400
فرد منهم، اما الآخرون فقد نجوا من العقاب ويمارسون حياتهم وهم يقابلون ضحاياهم.

– مرتكب جريمة الاغتصاب في الحرب يفلت من العقاب او يسجن سبع سنوات ثم
يخرج لممارسة حياته. ومجرمو الحرب الآن هم رجال سياسة في الداخل والخارج، والاحزاب
هي ذاتها تتصارع من اجل مصالحها
.

بالتنازل عن الحقيقة وبدون كشف الوقائع ومواجهة
المسؤولين يمكن ان تتكرر المآسي مجددا، وبدون الحقيقة لن نصل الى العدالة، ولن
نحصل على الاستقرار ستتكرر الأزمات وتندلع حروب جديدة
، لكي لا تتكرر المآسي يجب ان نوثق قصص الضحايا
ونطالب بحقوقها ونوثق قصص المجرمين ونطالب بمحاكمتهم، فهناك دائما محاولات لتغيير
الحقائق وتشويه ما حصل مقابل بعض المال ولأهداف سياسية.

شبح الحرب

– لسنا في حالة سلم، الحرب مستمرة بوسائل اخرى، هم فقط اوقفوا العمليات
القتالية. لا سلم هنا. المشكلة في الاتفاقيات غير الاخلاقية المفروضة دوليا
.

– الخوف من تفجر الأوضاع يتصاعد، لأن العدالة لم تتحقق، فللأسف المحاكم
التي شكلت لمحاسبة المجرمين لم تحقق العدالة، نعم تم سجن البعض لبضع سنوات، لكن
معاناة الضحايا الذين تحطمت حياتهم مستمرة ولن تتوقف ما داموا على قيد الحياة
.

– الطلاب في المدارس يُعدون لحروب
جديدة في المستقبل.. نحن لا نسأل كم سيمتد السلام.. نحن نسأل متى ستحصل الحرب
القادمة.. لأنها آتية دون شك مع كل هذه المظالم والمصالح.

وسائل الاعلام والجامعات تمارس دورا
سلبيا في عدم كشف الحقائق بل والتغطية عليها، هي تطرح امرا واحدا “نحن
الضحايا ومنافسونا هم المجرمون.. نحن …… وهم…..”. وسائل الاعلام ليست
مستقلة انها تنتمي الى احزاب وقوميات وشعوب، تغطياتها سيئة ولا تفكر بالضحايا، هي
تحمي المجرمين وتحركها الاجندات السياسية والقومية
.

– الصحفي والباحث مهمته كشف الحقائق وتوثيقها لكي لا تتكرر ذات التجارب
مجددا، وفق الأوضاع الحالية سيتحول المسؤولون عن الانتهاكات الى رجال دولة
، الرجال الذين كانوا
جزءا من المشكلة لا يمكن ان يكونوا جزءا من الحل.

– لا بد من تشكيل احزاب جديدة قادرة على مجابهة الأخطاء التي حصلت،
أحزاب لا تتخندق خلف الطوائف (المذاهب والقوميات).

– الحروب لا تدمر بيوتنا وتسلب اعمالنا فقط، بل تدمر حياتنا. هذا هو
هدفنا الكبير استعادة حياتنا (بناء الحياة من جديد) لكي لا نواجه نفس المشاكل في
المستقبل
.

*المادة اعلاه من مخرجات الورشة التدريبية التي نظمتها منظمة دعم الاعلام الحر (ims) بالتنسيق مع رابطة
صحفيي البوسنة والهرسك، في العاصمة البوسنية سرايفو، لاعلاميين ونشطاء عراقيين وسوريين
بضمنهم صحفيون في شبكة
“نيريج” الاستقصائية، والتي تركزت على دروس الحرب الأهلية البوسنية
والمرحلة الانتقالية، ودور الاعلام خلال فترتي الحرب واعادة بناء السلام
.

*قتل في الحرب
الأهلية البوسنية
(1992-1995) أكثر من 100 الف انسان، وخلفت الحرب 30 الف ضحية
للعنف الجنسي واكثر من 700 مقبرة جماعية فيها اكثر من 30 الف ضحية.

*صحفي ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى