التفاهم والحوار المجتمع

التفاهم هو الرافد الثاني الذي يغذي التعايش المستدام ، إذا كان التسامح الرافد الأول الذي يعمل على إطفاء روح الغضب والانتقام والابتعاد عن الكراهية، فالتفاهم يصنع الحوار ويهيئ الارضية الملائمة للوصول الى سبل الاتفاق، لاسيما بين المختلفين أو حتى أطراف النزاع الأهلي – قادة اعراس الدم – في رغبة الوصول الى نقطة الالتقاء المشترك والتي تعني مغادرة ساحات وجبهات الحرب والنزاع الاهلي نحو طاولة المفاوضات.

 

اقلوي ام توافقي

وتفضي عادة التفاهمات والحوارات الكبرى في المجتمعات الى نقاط الالتقاء المشترك، وهو ما يعني محاولة ايجاد تراض مجتمعي لادارة التنوعات والتباينات الاجتماعية، فبعض التجارب اتجهت نحو ادارة الحكم الذاتي الاقلوي (مِن الأقلية) كما في تجربة ايرلندا الشمالية ضمن المملكة المتحدة (بريطانيا) ، أو الوصول الى الحكم التوافقي كما في حالتي بلجيكا او سويسرا.

وبدائل ذلك في انقطاع سبل التفاهم والحوار فثمة تجارب انتهت الى الحماية الدولية كما في تجربة تيمور الشرقية مع اندنوسيا، أو تخلي الدولة عن جزء من اراضيها كما في حالة ابعاد سنغافورة عن الاتحاد الماليزي.

ويعزز التفاهم وجود الرغبة فيه علاوة على ظهور ارادة جادة بالحوار، يسبق ذلك رمزية اجتماعية وسياسية قادرة على اتخاذ قرارات تلزم أطرافها ومريديها، بوجود شخصية تتمتع بكاريزما، اذ شكلت شخصية غاندي عند المجتمع الهندي ابان نضاله للاستقلال عاملا مهما لاستقرار المجتمع الهندي الذي كان على وشك الانفجار ولا سيما بعد انفصال باكستان عنه، كما أوجدت شخصية نيلسون مانديلا منحى لطمأنة اطراف المجتمع في جنوب افريقيا ولبناء استقرار ما بعد تجربة التمييز العنصري وارتسمت على اثر ذلك صورة جديدة داخل المجتمع وخارجه عما أنجزه مانديلا .

 

هل تحتاج الموصل الى صفقة تفاهم

وللوصول الى تفاهم حقيقي وبالاستشهاد بالتجارب المعاصرة، فان تصفية ارث وتركات الحروب والنزاعات الاهلية ومحاولة تصفير المشكلات العالقة بين الاطراف المتخاصمة، يستدعي احيانا تنازلات من جميع الاطراف وقد تلجأ الى ذلك حتى الدول التي تملك تجارب سياسية مستقرة بالتعالي قد تلجأ لعقد صفقات تاريخية خارج حدودها.

ومثال ذلك اتفاق الجمعة العظيم أو اتفاق بلفاست (1998) والذي كانت اطرافه المملكة المتحدة وجمهورية ايرلندا والاحزاب في ايرلندا الشمالية والذي انهي بموجبه النزاع الاهلي في ايرلندا الشمالية التابعة للملكة المتحدة. واتفاق دايتون 1995 الذي انهى الحرب الاهلية في البوسنة والهرسك التي استمرت لاربعة أعوام. وكذلك اتفاق الطائف (1998 ) بين الاطراف السياسية اللبنانية لينهي الحرب الاهلية في لبنان التي استمرت (15 ) سنة. علاوة على اتفاق الدوحة 2008 بين الاطراف اللبنانية الذي انقذ لبنان من الوقوع مجددا في منزلق الحرب الاهلية.

وقد يورد القول على هذه الاتفاقات بانها اطفئت نارا ولكنها لم تطفيء الجمر، فالمجتمعات التي ذاقت ويلات النزاعات الاهلية تدرك جيدا ان تضميد جراحها السبيل الامثل للوصول الى نقطة التعاون التي تمكن الاطراف السياسية والمجتمعية من إدراك ما للاستقرار من مزايا التي بنيت على التفاهمات والحوارات التي تنقذ المجتمعات من الانزلاق مجددا في الحرب الاهلية وتهديد كيان التعايش فيها .

اما مدينة الموصل التي ما زالت تئن تحت جراحها بسبب الدمار الذي خلفه التطرف والشرخ العميق في نسيجها الاجتماعي، فانها بحاجة الى التفاهم والحوار أكثر من أي وقت مضى، فتوزع نسيجها المجتمعي بين نازح ورازح شكل تهديدا لاستقراها الهش علاوة على ما تحمله الذهنية المجتمعية من آلام دق اسفينها اجرام داعش لها، يجعل من الرغبة في انعقاد طاولة حوار سياسي ومجتمعي فيها لتحويل استقرارها الهش الى استقرار صلب وتعايش مستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى