صورة لمؤسسة علمية وفكرية وثقافية: جامعة الموصل

“ما أمحلت أرض سال عدل سلطان فيها، ولا محيت بقعة
فاء ظله عليها”. (حكمة قديمة)

لم يشهد العالم سقوط مدينة بمؤسساتها ومنظماتها وأسواقها
بأيدي قوى إرهابية ضالة في العصر الحديث، نعم كانت قد سقطت مدن بالحروب أو احتلال
جيوش دولة ثانية، أو ربما في حرب عالمية أو حرب بين دولتين أو ثلاث، ولكن أن تقع
مدينة بيد قطاعي طرق من القتلة المجرمين فهذا أمر جلل!

ولست بصدد الحديث عن سقوط مدينة الموصل أو الحرب أو
السياسة، ولا هو حديث عن تدمير للثقافة والمتاحف والآثار وغيرها من المعالم، ولكن
حديثي ينسحب إلى جامعة الموصل، تلك المؤسسة العلمية الثقافية الفكرية التي تجاوز
عمرها نصف قرن ونيف من السنين عندما أسست أولى لبناتها كلية طب الموصل سنة 1958،
وتبعتها باقي الكليات ليعلن عن افتتاح جامعة الموصل في عام 1967.

وتستمر بالنمو والتوسع ليصل عدد كلياتها عشرين ونيف كلية
وفيها أيضا ستة مراكز علمية ومثلها مكاتب استشارية، وكذلك تضم 5 مستشفيات و6 متاحف ومكتبة مركزية زاخرة و25 مكتبة ملحقة
بالكليات والمراكز العلمية، ويعمل فيها 4281 تدريسياً فيهم 196 تدريسيا بدرجة
أستاذ بعشرات التخصصات و1014 أستاذا مساعدا و 1361 مدرسا و1810 مدرسا مساعداً،
ويزيد عدد طلابها عن 30 الف طالبا في
الدراسات الأولية و794 طالبا في الدراسات
العليا منهم 85 للحصول على شهادة الدبلوم العالي، و575 طالباً للحصول على شهادة
الماجستير و134 طالبا للحصول على شهادة الدكتوراه.

وتقع الجامعة في 3 مجمعات بالمدينة وتصل مساحاتها الى عدة
كيلومترات مربعة، تتخللها الحدائق والبحيرات والملاعب والمنتزهات والغابات والحقول
الغناء فأقدم أشجارها شجرة يوكالبتوس كان قد غرسها الملك فيصل الثاني في زيارته
للموصل عام 1957 وما زالت ترفل بحلتها الخضراء.

‘‘في قاعة المحاضرات 9 دول عربية‘‘

ما أن بدأت الجامعة وكلياتها الامتحانات النهائية في
بداية حزيران 2014 التي غالبا ما تستغرق شهراً من الزمن ليعقبها عطلة الصيف، إلا
وبدأت تراجيديا الحرب تدق أجراسها، وكان هذا ظهر يوم الخميس 5 حزيران 2014، وكان
الطلاب قد انهوا امتحانهم الثاني للتو ليعلن منع للتجوال في المدينة، وما هي إلا
أيام معدودة إلا وكانت الكارثة بانسحاب الجيش وهجوم القوى الهمجية البربرية لتحتل
المدينة فيتشرد أهلها، وكان لجامعة الموصل نصيبها فشرّد طلابها، وتبعثرت أطرها
البشرية ونهبت مختبراتها ومخازنها ومكتباتها وأحرقت مكاتبها ودمرت بناياتها وباتت
أثراً بعد عين.

ولم تكن القصة رهينة بموجودات مادية بقدر ما هي تخص
موروثا بشريا متدفقا وموارد بشرية خبراتها تراكم لما يزيد عن الستين سنة، وأجيالها
العلمية المتعاقبة عن البناء الأول؛ لتشتّت بين المدن والأقاليم، طلاب علم تتوزع
اختصاصاتهم على أكثر من 250 قسماً علمياً متخصصاً، وكوادر وسطى ومهارات ولا ينحسر
الأمر بموقع بديل يلم الشتات، وليس بإكمال متطلبات شهادة لطالب قد أنهى عمله أو
منح كتابا لهذا أو خطابا لذاك، إنها نهاية التواصل العلمي وقفل التشابك المعرفي
ووقف التداخل البحثي فتوقف العمل العلمي، وما بقي تواصل ومكاتبات ورواتب إنها
قطرات لديمومة الحياة في مؤسسة تعاني من سكرات الموت فكان ان تصل لها او تقترب.

مرت سنة وكل جزيئة من تركيبة هذا الهيكل العملاق قد توقف
دورانها، وبطلت جاذبيتها ودارت على كلياتها وأقسامها الدوائر، وفي ظل هذا التشظي
تظهر المفاجأة الكبرى بأن جامعة الموصل احتلت المرتبة الأولى من بين الجامعات
العراقية في الجودة والنوعية في الأداء، والذي كانت قد أعدت واحتسبت مؤشراته في
سنة 2013 / 2014 إنها بدت كالطير يرقص مجروحا من الألم.

منذ 5 عقود من الزمن ودوريات الجامعة تنمو يوما بعد أخر
وسنة بعد أخرى في الطب والهندسة والعلوم والإدارة والاقتصاد والآداب والزراعة
وغيرها، فكانت فيضا متدفقا للبحث العلمي المتخصص غطت كل حقول المعرفة بحثا ودراسة،
لقد امتد عطاء جامعة الموصل لكل محيطها العربي والممتد ما بين موريتانيا والكويت
يكفي القول وفي إحدى سنوات النصف الثاني من عقد الثمانينات كان عندي في قاعة
المحاضرات 21 طالبا يمثلون 9 دول عربية من الأردن وفلسطين وسوريا وتونس وموريتانيا
والسودان واليمن والبحرين والعراق، فلقد جمعت ما لم تجمعه السياسة، وانتشرت
بحوثها في معظم دوريات العالم شرقا وغربا
وبمختلف التخصصات أليست إذن جامعة الموصل صرحا تخطى المحلية والحدود الجغرافية قبل
أن تتخطاها السياسة ويتخطاها الاقتصاد.

ما سر تفوقها؟

لم تكن مسيرة الجامعة سهلة ويسيرة كغيرها من الجامعات في
دول العالم، لقد كانت غاية في الصعوبة ومليئة بالمعوقات فثمة من حاول تسييسها
وعسكرتها وهناك من أراد ترييفها وسلب مدنيتها وعلميتها إلا أن سر تفوقها ونجاحها
واستمرارها يعود لثلاثة عوامل: الأول مجتمعها الذي تعمل فيه، وبيئتها التي تحيا
فيها إنه مجتمع يعشق العلم ويقدس اكتسابه، وثانيا بناؤها وصحة وضع اللبنات الأولى
لها من قبل أناس علماء أجلاء أسسوها وأداروها وفق سياقات صحيحة ورؤى واضحة
وموضوعية بعيدة عن كل النزعات، والعامل الثالث ان سخر لها أناس نهلوا من ماضيها
الزاخر وأدركوا حاضرها وعبئوا للعمل في احلك الظروف بعد حزيران 2014 .

لقد عانت جامعة الموصل طيلة السنين التي سبقت سقوطها من
انتهاكات لحرمها الجامعي، وتجاوز على سياقاتها، فقاومت تطاولات المتطاولين وحاولت
الصمود والصبر فأبوابها ثكنات عسكرية وساحاتها مرتع لموبقات من يحميها، وكانت تدفع
بالتي هي أـحسن فلم يجدِ ذلك نفعا!

لقد انتهكت طقوسها وضيق الخناق على منابر محاضريها، وبات
من يحميها يتسابق في جني نتاجها كالبقرة الحلوب، أجل هم كانوا يفصحون عن أنفسهم
ويهددون ويتوعدون وبالمقابل يهدد الجيش ويتوعد وباتت الجامعة بين حانة ومانة،
تتحمل الفعلين المتناقضين للإرهاب ومن يقابله، وإذا حدث أمر اتهمت بأنها جامعة
الإرهاب ويعلم الجميع علم اليقين من هم حُماتها في الموصل ومن تتبعْ لهم في بغداد؟
ويعلمون أنها بريئة براءة الذئب من أبن يعقوب، ويبدو هذه سليقة البشر أين ما كان
ووقتما وجد، ويبدو إن هذا درس على الجميع إتقانه بأن فعل فرد ناشز يسبغ الجميع
بالتهم وقد دحض كل هذا خلال السنوات 2015 – 2017.

لقد اتهمت المدينة وجامعتها بتهمة حواضن الإرهاب، وانطبع
الجميع بهذا الطابع من دون تفكير وتمحيص وانساقوا وراء تلك المقولات انسياق
القطعان، أمر لن يقبله عقل ولا عرف، وقد تبحث المسألة مجتمعيا أو سياسيا أو ربما
أمنيا ولكن لا يمكن إطلاق الكلام على عواهنه لكل من هبّ ودب!

أجل لقد خرّجَتْ الجامعة جيوشا من العلماء والمهنيين
والخبراء في مختلف التخصصات وموزعين في كل بقعّ الدنيا وقد يكون هذا مدعاة فخر،
ولكن أن يتنكر المرء لجامعته التي تخرج منها وحجته مذهبية أو عرقية بعدما تولى
هؤلاء أعلى الرتب الإدارية والسياسية والمهنية، فهذا ما لم تحسب حسابه البتة! إنها
باتت كالخنجر يخشون منها وهي مستضعفة مشردة لا تقوى على لملمة جراحها!

لقد بلغ الأمر
أن يمسح المعني والمعلن عن نفسه اسم جامعة الموصل من لوحة التعريف به وبشهادته! أي
وفاء للعلم يمتلك هؤلاء؟ كان ينبغي يا
جامعة الموصل أن تعلّمي الوفاء والسمو فوق النعرات الطائفية والعرقية قبل أن
تعلّمي الناس العلم والمعرفة! ولكن كانت جامعة الموصل أكبر من كل ذلك فتقديم العلم
أرفع درجات السمو وهو من يرتقي بالفكر والعقل والسلوك وكذلك أنت وأولئك، هم الأدنى
من أن تذكريهم.

يعلمنا التاريخ بأن هناك حواضر سقطت وانتهت بمختلف
العصور، ومنها مدينة نينوى ومكتبتها العملاقة، وإن هناك جامعات ازدهرت ودمرت ثم
عادت فتلك الجامعة المستنصرية والقيروان وفاس وغيرها والتي أنشأت على أسمائها
جامعات معاصرة، وكذلك الجامعات الاوربية فجامعة وراشو كانت وما زالت رغم كل الحروب
العالمية وغير العالمية لما يزيد عن ألف سنة وكذلك جامعات أوكسفورد وكامبريج
وباريس وغيرها من الجامعات.

‘‘جامعة الموصل للكل‘‘

واليوم بعد أن عادت الجامعة لحاضنتها تنفست الصعداء بعد
أن تقاذفها الآخرون وحطّت رحالها تنتظر مدينتها لتعود وتعمل من جديد، موقع بديل
هنا وآخر هناك وتمسك البعض بذلك ليل نهار كجزء من أخلاقياتهم ومسؤولياتهم واستطاعت
بعد أشهر معدودة من أن تعيد اقسامها وكلياتها ولجانها العلمية ومواجهة زخم كبير
تواجهه ضم عشرات الآلاف من طلبة العلم والباحثين والعلماء والتدريسيين، لقد حطت
رحالها في مواقع بديلة وسقطت عند ذاك كل التهم التي اتهمت بها الجامعة فلا مناطقية
ولا عرقية ولا جهوية، فجامعة الموصل للكل أجل!

وطن الجامعة مكانها ومقرها ونزلها، وموطن الفرد مدينته
مهما كانت كبيرة أو صغيرة، ويبدو أن للوطن مدى معينا فمدى وطن طالب جامعة الموصل
مدياته متباينة، كيف لا وهي تعيد أنفاسها وتعلم بأن أخواتها الجامعات العراقية في
أوج قوتها وعظمتها.

هكذا يبدو أنّ ما تعلمناه عن الوطن والحدود ما هو إلا
نظريات على الورق، وله اليوم مفاهيم أخرى، وإلا ما تفسير أن يتعاطف من غير
العراقيين ممن درسوا فيها من الشرق والغرب العربي، لقد واجهت إدارة جامعة الموصل
تحديات ومخاطر لا توصف كبيرة ومهولة وصبرت واحتسبت وعملت ليل نهار بإمكانيات
محدودة جدا.

وشارك طلابها بعد التحرير بمحدودية امكانياتهم بعمل كبير
جدا لإعادة بناية او قاعة او مختبر، وعمل موظفوها وتدريسييوها بمختلف درجاتهم
العلمية ضمن مخاطر عالية جدا في بداية التحرير متناسين انفسهم وهمهم جامعتهم التي
احتضنتهم عقود من الزمن، ومنهم من غادر متقاعدا ومنهم من ما زال يعملـ وآخرون من
الشباب يدفعهم حبهم لجامعتهم ووطنهم الصغير ليعود كما كان وأفضل.

لقد نوقشت الرسائل والأطاريح العلمية طيلة الثلاث سنوات
وعقدت الحلقات النقاشية بأرفع المستويات ضمن إمكانيات محدودة جدا وما تغاضت عن تكريم
لطالب متميز أو تدريسي مبدع.

وما زلت أتذكر تكريم جامعة الموصل لإحدى طالبات المرحلة
الثالثة في قسم اللغة العربية في كلية الأداب من الكفيفات والتي تفوقت وتميزت على
أقرانها وهكذا هي وستبقى ينبوعا للعطاء العلمي المتجدد.

يقول ارسطو : “العالم بستان سياجه الدولة، الدولة
سلطان تحيا به النفوس، وسياسة يسوسها الملك، الملك نظام يعضده الجند، الجند أعوان
يكفلهم المال، المال رزق تجمعه الرعية، الرعيّة عبيد يكتنفهم العدل، العدل مألوف
وبه قوام العالم، العالم بستان سياجه الدولة، وهو كذلك متصل بعضه ببعض ومرتبط
به”.

*أستاذ
في جامعة الموصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى