سلام غير عادل ..

سلام غير عادل .. عدالة غائبة وخوف مستمر!
كن مهنيا وتجرد من انتمائك، فالضحايا هم الضحايا، من كانوا وأينما كانوا !

 

دروس من سنوات الحرب
والسلم في البوسنة والهرسك

(4)

 

“خلال عملنا سنوات الحرب آمنا أن الضحايا هم الضحايا، ولا يجوز التمييز بينهم
مهما كان انتماؤهم سواء كان مماثلا او مختلفا عن انتمائك، وحتى لو كانت عائلتك احدى
الضحايا فعليك ان تكتب بحيادية وموضوعية وتلتزم باخلاقيات العمل الصحفي
، لتكون صحفيا حقيقيا وتحظى بثقة الجميع، والا ستكتشف انك ارتكبت خطأ
كبيرا وثمنه كان غاليا”، تقول بورك روديج.

روديج، عملت في الصحافة قبل الحرب البوسنية، وخلال سنوات الحرب واصلت تلك المهنة
الخطرة ناقلة من الجبهات اخبار المعارك، وعملت بحيادية وشجاعة في توثيق وقائع
الحرب المأساوية وأحداثها وقصص ضحاياها من كل الأطراف، وهي تواصل عملها الى اليوم
بحماسة وايمان بقدرة الكلمة الصادقة على التغيير، وتشغل حاليا منصب أمين رابطة صحفي
البوسنة والهرسك:-

تأسست رابطة
صحفي البوسنة والهرسك في فترة الحرب حين كانت هناك ثلاثة جيوش تتقاتل على الأرض،
توزع بينها عدد كبير من الصحفيين عملوا في الدعاية تحت تأثير خلفياتهم القومية والدينية.

تشكلت الرابطة
لتجمع الصحفيين الذين يكتبون بمسؤولية بعيدا عن خلفياتهم وانتماءاتهم، فضمت صحفيين
من مختلف المكونات يعملون على كشف الحقائق لتحقيق المصالح العامة للمجتمع البوسني وليس
لطرف واحد.

وهي اليوم تعد اكبر
رابطة للصحفيين وتضم 750 صحفيا، وكانت رسالتها بعد الحرب تحقيق العدالة الانتقالية
ولعب دور ايجابي في بناء السلم
.

العديد من الصحفيين
انتقلوا الى سرايفو لتغطية الحرب حين كان الناس يهربون منها، لم يتخلوا عن مهمتهم الكبيرة
في كشف الحقائق يوما حتى في أصعب الظروف.

يومها كان البعض
يدعو للتقسيم وآخرون للوحدة، البعض ينشر الأكاذيب وآخرون يكشفون الحقائق، البعض يكتب
من اجل السلم وآخرون من اجل الحرب…

 

‘‘دائما هناك فرصة للسلم‘‘

 

ان فترة الحرب صعبة
جدا والأهوال كبيرة (موت، وجوع، وتفكك، وحصار) لكن دائما هناك فرصة للسلم وهو ما
كنا نؤمن به، ونؤمن ان الحرب يجب ان تنتهي، وان الحرب لن تكون حلا، وان البوسنة
يجب ان تكون بلد الجميع
.

اليوم وبعد 22 عاما من انتهاء الحرب، ومع حقيقة وجود الخلافات بين المكونات وتهديدها
المستمر باشعال حروب جديدة، نبحث نحن الصحفيون عن الفرص المتاحة للتحول مما نصفه
بـ”الحرب المجمدة” الى السلم والتعايش الايجابي، وتجاوز التركة الثقيلة
والقاسية للحرب الأهلية والتحرك نحو اعادة بناء النسيج الاجتماعي ووضع البنى الاعلامية
والمدنية والسياسية والادارية التي تمثل متطلبات أساسية لذلك التحول
نحو السلم الدائم.

نحن نرفض “السلام
غير العادل” الذي فرضه المجتمع الدولي علينا في اتفاقية دايتون الدولية
لانهاء الحرب البوسنية، لكننا نظل نرى ان السلم افضل من الحرب، لذلك قبلنا
باتفاقية دايتون لكننا اليوم نعتقد بحاجتنا لاتفاقية جديدة لا تنهي الحرب فقط بل
تصنع السلام الدائم
... فالسلام غير العادل يعني غياب العدالة والخوف
المستمر.

خلال عملنا في الحرب ندرك تماما أن الانتهاء من آثار الحرب وانجاز السلم يحتاج
الى وقت طويل… ونعرف اليوم أن بناء الديمقراطية والدولة المدنية يحتاج الى وقت اطول
بكثير وهي مهمة معقدة وصعبة
.

‘‘صحافة ما بعد
الحرب‘‘

عانينا خلال الحرب وبعدها من الصحافة الحزبية
والصحافة الموجهة فالمؤسسات الصحفية لكل مكون كانت تهاجم الآخر ضمن الدعاية
الحربية، فكان الاعلام منفلتا وخطاب الكراهية في وسائل الاعلام واضحاً، وذلك تسبب
بتعقيد الحرب أكثر …

اليوم الأمر قد يبدو أعقد في ظل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وما تقدمه من فرصة
للتعبير والنشر سريعا وبسهولة بما يسمح بنشر كتابات تحمل التشهير والدعوة للعنف والترويج
لخطاب الكراهية، الا انها في ذات الوقت تمنح فرص كبيرة لصنع السلام والترويج للافكار
الجيدة والمبادرات الفردية والمجتمعية المعززة للتعايش والسلم والتحشيد للقيم الإنسانية،
فوسائل التواصل الاجتماعي توفر فرص كبيرة وواعدة وهي تحمل الكثير من قصص البناء وتعزيز
السلم والتعايش.

وانها ايضا وسيلة
فاعلة لايصال مطالب الناس الى الحكومات والضغط عليها
.

 

*المادة
من مخرجات الورشة التدريبية التي نظمتها منظمة دعم الاعلام الحر
(ims)بالتنسيق مع رابطة صحفيي البوسنة والهرسك، في العاصمة البوسنية
سرايفو، لاعلاميين ونشطاء عراقيين وسوريين
بضمنهم صحفيون في شبكة “نيريج”
الاستقصائية، والتي تركزت على دروس الحرب الأهلية البوسنية والمرحلة الانتقالية، ودور
الاعلام خلال فترتي الحرب واعادة بناء السلام
.

*قتل في الحرب الأهلية
البوسنية
(1992-1995) أكثر من 100 الف انسان،
وخلفت الحرب 30 الف ضحية للعنف الجنسي واكثر من 700 مقبرة جماعية فيها اكثر من 30 الف
ضحية.

*كاتب ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى