حسابات الحرب والسلام

في الحرب تتناسل الأخطاء، وتقضي الى التعايش في المجتمعات لبرهة من الزمن او الى قطيعة دائمة، على مستويات مختلفة ومتباينة، وان كانت الحروب والنزاعات الاهلية تعني انتهاء التعايش ، فذلك يسبقه استنفار المكونات المجتمعية نحو تسليح ذاتها وتعبئة خطابات التحريض والكراهية لخوض مواجهة وحرب داخلية، تعني لها للوهلة الاولى مسألة حياة أو موت للحفاظ على هويتها ووجودها، والامر يعلل الى ان مركز تفكيرها وقتذاك منحصر في تصفية الخصوم وليس الى الحوار معهم.

ثمة اخطاء ترتكب في الحرب – قتلى وجرحى – واستنزاف الموارد البشرية والاقتصادية ودمار البنى التحتية، علاوة على نتائجها الاجتماعية من الايتام والارامل وضياع للهوية الاجتماعية والتوازن الاجتماعي.

تجارب الحروب الاهلية قدمت امثلة يمكن الافادة منها في وضع خارطة للتعايش في الموصل ما بعد تحريرها من داعش، الحرب الاهلية بين الاثنيات والاديان في يوغسلافيا انتهت الى جلوس الاطراف المتحاربة حول طاولة حوار انتهت باتفاق دايتون.

وادرك المقاتلون او من كانوا وقودا لتلك الحرب عدم جدوى الاقتتال، (متأخرين اكتشفنا ان بإمكاننا العيش المشترك) اي التعايش على القيم المشتركة كما كتب سامان نوح عن دروس الحرب في يوغسلافيا.

وفي تجربة رواند حيث اوغلت الاطراف المتحاربة في اجساد بعضها البعض، ادرك المتقاتلون ان بإمكانهم تجاوز اثار الحرب والعيش على مبدأ التسامح، وتطبيق القانون على من تلطخت ايديهم بالدماء ومحاسبة المحرضين، والحال كذلك مع تجربة الحرب الشرسة في ايرلندا الشمالية، اذ كادت ان تقضي على وجود البلاد لولا اقتناع الاطراف بضرورة الوصول الى اتفاق يحمي وجودهم من الاضمحلال والانتهاء وحدث ذلك باتفاق “بلفاست” او ما يسمى اتفاق الجمعة العظيم 1999.

الانتقال من خنادق الحرب الى طاولة الحرب امر لا بد منه لأي نزاع اهلي واحتراب داخلي مهما تأخر. فإما ترسم حدود بين الاطراف المتحاربة او يتفقوا على ضرورة تقاسم السلطة كما حدث في لبنان ( اتفاق الطائف 1989 )، او يوقف تمدد طرف على حساب طرف اخر وتكون وقتئذ هدنة مؤقتة او طويلة، كالهدنة بين الكوريتين ورسم الحدود بينهما على اساس خط العرض 38 وهي مستمرة منذ خمسينات القرن الماضي ولم تتحول الى اتفاق سلام بين البلدين.

نتائج وخيمة ووضع هش

لم يترك احتلال داعش للموصل نتيجة واحدة فحسب ، بل ثلاث سنوات تركت جروحا قطبت ولكن لم تعالج، اخطرها غياب الثقة بين المكونات السياسية والمجتمعية في المدينة والمحافظة، وقد تبدأ هذه النتائج من طبيعة المشاكل التي بدأت تتفجر مؤخرا في سهل نينوى بين الشبك والمسحيين، ولم يكن الوضع في سنجار أفضل حالا فالمشكلات بين الايزيدية والعرب بدأت تطفوا في الآونة الاخيرة على شكل تهديدات متبادلة ومشاكل من الصعب حليها.

الخشية الاساسية على مناطق حزام الموصل، فإن أي حرب او اقتتال جديد فيها سيحولها الى ارض بلا مواطنين، المشكلة الاساسية ليست فقط بين المكون الأكبر في محافظة نينوى وباقي المكونات الصغيرة، بل بين المكونات الصغيرة ذاتها، لا سيما وان بعضها اضحى امتداد لتوجه سياسي خارج مناطقها يحاول استغلالها لتكون وقودا لتصفية حساباتها على اطراف أخرى.

ام المشاكل التي أصابت التعايش في نينوى بالوهن هي التغيير الديمغرافي لمناطق كبيرة وتمتاز بخزين هائل من الموارد الطبيعية وهي مشكلة ان تجد لها حلول ستبقى تؤرق مستقبل المدينة والمحافظة، وهذا التغيير الديمغرافي لا يقتصر على اخلاء جزئي او كلي لسكان منطقة ما، بل يتعدى هذه النظرة البسيطة لأنه يحول المواطنين المتبقين في تلك المناطق الى رعايا (والمقصود هنا انهم يكون من لون واحد ومكون واحد لكنه بلا طعم ولا رائحة) عند زعماء وامراء حروب قادمة تكون نتيجة لمغامرة غير محسوبة العواقب.

من هنا فان التعايش يضمد جراح المكتوين بنار الحروب والنزاعات الاهلية وذلك يتطلب بالمقام الاول تطبيق العدالة الانتقالية التي توقف نزيف الانتقام والتعصب وتكون عبر القوانين واحترامها التي لا تسمح للجلاد بالفرار كما انها لا تقبل بتحويل الضحية الى جلاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى