ماذا يحدث في صالة الولادة الوحيدة بالموصل؟

طابور لا يحتمل الانتظار ابدا، يصطف فيه نسوة منتفخات البطون، محمرات الوجوه من الألم، متورمات الايدي والأقدام، يضطجعن على أسرة المخاض، بانتظار ان يضعن مواليدهن.
هذا الطابور أصبح أطول من المعتاد في مستشفى الخنساء، بعد الدمار الكبير الذي لحق بمستشفيات الموصل بما فيها مستشفى البتول للولادة في الجانب الأيمن.
صالة الولادة في مستشفى الخنساء باتت قبلة الحوامل اللائي بلغن شهر الوضع، من داخل المدينة وكذلك من الاقضية والنواحي، وكثيرا ما يمررن بطوابير الانتظار التي لا ترحم، لعبور الجسر الوحيد الذي يربط جانبي الموصل.
ليست الصالة الوحيدة المتاحة في مدينة تضم أكثر من 1.5 مليون نسمة! ثمة صالتان صغيرتان احداهما في مستفى السلام جنوب شرقي الموصل، والاخرى في مستشفى الموصل بمنطقة وادي حجر.
” يأتين من كل مكان، برطلة وبعشيقة والسلامية والشيخان ومن الجانبين الأيمن والايسر للمدينة، وحتى من المخيمات”، تشرح الممرضة ام عمر الوجهات التي يستقبل فيها مستشفى الخنساء حالات الولادة.
التعب باديا على وجه الممرضة التي تجاوزت الاربعين، “من 24 ساعة لم اغادر المستشفى، لدينا مشكلة في المكان، العدد كبير والاسرة قليلة”، تقول.

بخطى ثقيلة تسير الحوامل مثل بطة تتمايل بهدوء في الممرات المعتمة، وعبر النوافذ يظهر الجزء المحترق من مستشفى الخنساء انه الطريق الكئيب الى الصالة المليئة بالصراخ والعويل.
الصراخ ليس لمن يعشن لحظة المخاض، بل ان موظفات المستشفى أيضا يصرخن بوجوه المرافقات لإرغامهن على المغادرة والانتظار خارجاً، مع ذلك لا أحد يسيطر على الفوضى هناك.
اعترضت طريق الطبيبة دينا سعد الدين التي خرجت توا من صالة الولادة لأسألها عن عدد حالات الولادة، فقالت بصوت منهك: أعدنا فتح المستشفى في 19 اذار/مارس الماضي يومها استقبلنا حالة ولادة واحدة فقط، لكن منذ تشرين الثاني/ الى الان نستقبل ما يصل الى 70 حالة ولادة يوميا”.
اضافت مسؤولة صالة الولادة، “نواجه مشاكل كثيرة، هناك صالات مغلقة بسبب الدمار الذي لحق بها بعدما حرقها تنظيم داعش، سابقاً كانت لدينا 4 صالات اما الان هناك صالة واحدة فقط للولادة مع غرفة للطوارئ”.
الوضع غير طبيعي هنا، في الغرفة المخصصة لمريضتين نضطر الى حشر خمسة مريضا وهذا يؤثر على الخدمة الصحية المقدمة، تتابع.
في هذه الاثناء تعطل سريران مخصصان للولادة، فحضر مهندسو الصيانة، لسحبهما، علقت الطبيبة بتذمر: “رغم الضغط الكبير في العمل ثمة مشاكل ومعوقات تأخرنا وتزيد معاناتنا”.

الطبيبة عبير احمد، تأخذ جانبا اخرا من المشكلة، “العلاج متوفر تقريبا، لكن نشكو من نقص المستلزمات الطبية التي تحتاجها المرأة عند الولادة لذا نضطر ان نطلب من مرافقي المريضة ان يشتروها من الصيدليات”.
غادرت عبير قبل ان تكمل حديثها للمنصة، ثمة حالة طارئة وصلت من مستشفى الحمدانية، “لا يوجد كادر طبي مختص لذا احالونا اليكم المريضة تواجه عسرا في الولادة”، سارت امرأة كبيرة الى جانب الطبيبة وهي تشرح لها الحالة بقلق فالمريضة ابنتها.
المشكلة ان صالات الولادة الصغيرة التي فتحتها منظمات صحية في المستشفيات الميدانية اثناء عمليات التحرير وبعدها، بدأت تغلق.
القابلة بهية أكرم كانت تعمل في واحدة من هذه الصالات شرقي المدينة، تقول: كنا نستقبل يوميا 10 حالات ولادة ونوفر لهن العلاج والرعاية الكاملة”
“مع نهاية السنة أغلقت الصالة “، تقول وهي تصرع شفتها السفلى إشارة على خيبة الامل.
الضغط الكبير على الموظفات العاملات في صالة ولادة الخنساء، يمر من دون راتب، نحو 15 موظفة يعملن بعقد “أجر يومي”، لكن منذ 2014 الى لم تصرف لهم الحكومة أي مبلغ، عزاؤهن فيما يحصلن عليه من مكافئات من المريضات.
“لا أستطيع ترك العمل، لدي التزامات مالية كثيرة، بدل ايجار المنزل ونفقات الأطفال”، تقول منى خضر.
“ننتظر ان يدفع لنا مرافقو المريضات، مبالغ بسيط غالبا 5 الاف دينار”، تابعت بصوت منخفض، ثم أحنت ظهرها لتكمل تنظيف غرفة الطوارئ.

في الصالة صرخ مولود جديد صباح يوم 2 كانون الثاني / يناير، انه طفل ايزيدي عادت عائلته قبل 3 اشهر الى ناحية بعشيقة شمال الموصل.
“أول مرة نزور الموصل منذ سنوات، ترددنا كثيرا قبل المجيء، ما زالت لدينا مخاوف كثيرة، لكن الحالة الحرجة لابنتي اضطرتنا ان نقصد المستشفى، والحمد لله لقد وضعت مولودها بسلام”، تقول امرأة ايزيدية مسنة.
بعد ساعتين كانت العجوز تحمل حقيبة يدوية وتقود ابنتها التي عادت الى منزلها وهي تحمل طفلها، سنسميه “ايلان” قالت الجدة مبتسمة وهي تغادر الصالة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى