750 طفلا “يعيشون” على أكياس الدم

أكياس دم معلقة على حمالات معدنية، أطفال مضطجعون على اسرة صغيرة، أمهات معدومات الحيلة، وأطباء وطبيبات يطوفون على المرضى بين الحين والأخر، انه روتين الذي اعتاده مركز الثلاسيميا في الموصل.

المدينة تضم مركزا واحدا لعلاج المرضى المصابين بأمراض الدم (الثلاسيميا واللوكيميا). صالة واحدة كبيرة فقط للمرضى، ولحسن الحظ ان المركز نجى من براثن تنظيمداعشالذي كان يضرم النار في المشافي والمؤسسات عند هزيمته على يد القوات العراقية في شباط / فبراير ٢٠١٧ بالجانب الايسر.

على السلم المؤدي الى الصالة اصفر وجه شهد (6 سنوات) المتعب كحال الثلاسيميين، اغرورقت مقلتاها بالدموع وهي تتوسل والدتها ان تعود بها الى المنزل، لكن لا مفر، رضخت وهي تقدم قدما وتؤخر اخرى خوفا من الألم الذي سيلحق بها جراء العلاج الروتيني الممل.

اضطجعت على الكرسي، انسدل شعرها الاصفر وكان لون بشرتها الأبيض قد خالطته صفرة واضحة، كل محاولات رسم ابتسامة على وجهها باءت بالفشل، فيما كان الطبيب يوخزها بإبرة (كانيولة) لتزويدها بالدم اللازم لتستمر في الحياة.

بردانةغطينيقالت شهد لأمها بصوت منخفض، اغمضت عينيها وهي تمسك كف أمها الدافئة.

شهد واحدة من بين “750 طفلا مصابين بأمراض الدم (الثلاسيميا واللوكيميا) في محافظة نينوى، الرقم الحقيقي أكبر فثمة مصابون غير مسجلين لحد الان، يقول الدكتور نشوان احمد مدير مستشفى ابن الاثير للأطفال، حيث يوجد المركز.

ورغم ان الصالة صغيرة وتفتقر للكثير من الأجهزة والمستلزمات الطبية الا ان المركزيستقبل نحو 50 طفلا يومياً ليتم علاجهم عبر تبديل دمهم، يضيف احمد.

المقاعد التي يجلس عليها الثلاسيميون قديمة، بعضها غير طبية، شروط النظافة غير متوفرة ورائحة الدم تملئ الصالة المكتظة بنحو 100، هم المرضى ومرافقوهم.

ويحدث مرض الثلاسيميا نتيجة خلل جيني، بسبب تزاوج أم واب حاملين لجينات المرض، الطبيب الاختصاص ناصح عبد اللطيف ذكر بأناجراء فحص الدم للراغبين بالزواج لم يعتمد الا في عام 2011، لكن بسبب ظروف داعش أهملت الفحوصات على مدى 3 سنوات“.

ويدعو عبد اللطيف الى زيادة الوعي الصحي والاخذ بنتيجة الفحوصات بصورة جديّة عند المحكمة، سيما وان هذا المرض مزمن يبدأ من عمر مبكر ( 6 – 12 شهرا)، والعمليات التي تجرى لعلاج المرض عبر زراعة النخاع صعبة جدا ومكلفة، يتم إجراؤها في مشافي إيطاليا.

شحة الدواء وغلاؤه يؤدي الى حصول مضاعفات للمرضى، اذ تحدث هشاشة في العظام ويضيق التنفس كما يتغير شكل عظام الوجه (الجبهة والوجنتين) ويصاب الطحال بالتضخم في سن مبكرة، يشرح الطبيب.

العبء مضاعف على البعض، وسام طلال اب لطفلتين ثلاسيميتين، لقد أصبح المركز بيته الثاني. “كنا نحصل على 3 علب من علاج (اكس جايد) شهريا، الان يعطونا واحدة فقط، لذا اضطر لشرائها بنحو 60 دولارا، يقول طلال وهو ينظر بحسرة الى سارة ونور.

الادوية التخصصية التي تزودنا بها وزارة الصحة قليلة جدا، قياسا بعدد المرضى، كما ان المركز بحاجة الى أجهزة دقيقة لفحص الدم وعزلهِ، يؤكد الدكتور نشوان احمد.

داعشعطّل مشروع بناء مستشفى أمراض الدم وزراعة نخاع العظم، الذي انطلق في عام 2013، الان يرتفع هيكل بناء المستشفى خلف مركز الثلاسيميا، لكن متى يكتمل؟ اذا كان العمل فيه معطل منذ سنوات، يتساءل احمد بنبرة محتجة.

هناك قصة لكل واحد من أولئك الأطفال المضجعين على الكراسي بملل شديد، شيماء (4 سنوات) أصيبت بالمرض عام 2015، مشكلتها عويصةتقول والدتهالأنها تحمل فصيلة دم نادرة (O-).

أحيانا تتأخر عن العلاج لأكثر من شهرين، بسبب عدم وجود متبرع بالدم، فتتداعى صحتها، بسبب فقر الدم الشديد، تشكو الام.

بعد تحرير الموصل والنشاط الواسع على مواقع التواصل الاجتماعي، تطلق بين الحين والأخر نداءات، للتبرع بالدم لمرضى الثلاسيميا من فصيلة الدم النادرة.

يغادر الأطفال الصالة بدماء جديدة، وحيوية ونشاط كأنهم ولدوا من جديد، لكن سيكون لزاما عليهم العودة مرات اخرى، بعد أيام قليلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى