الولادة من خاصرة الحرب

تجلطت الحياة في الموصل عندما سيطرة تنظيم “داعش عليها في 10 حزيران/يونيو 2014، لا عمل ، لا دراسة ، لا احلام ، ولا امنيات… لقد تحولت المدينة الى سجن كبير الكل فيه محكوم عليه بالاعدام.

مرت الساعات بطيئة وثقيلة جدا، سنتان ونصف السنة، كنت اعد الايام وعيني على باب السجن، متى الحرية؟

ذات يوم اضطررت ان اذهب الى السوق في محل لبيع ألبسة الاطفال داهمنا احد عناصر “ديوان الحسبة”، الجهاز الامني المسؤول عن دعشنة المجتمع،  كان فضا غليض القلب، نظر الينا شزرا وصاح بوجهي وهو يلوح لي بعصا (خيزران): لماذا لوحدكن اين المحرم, ولماذا تكشفان عيونكما”!

جفلنا انا ووالدتي، بحركة سريعة وبإرتباك أنزلت قطعة القماش الثانية على عيوني، فأظلمت الدنيا امامي، لذا قررت التزام المنزل، لن اغادره الا للضرورة. لأكثر من سنة لم اغادر المنزل الى الاماكن التي يوجد فيها عناصر “داعش” كي لا اعرض نفسي الى العقوبة والاهانة.

في 17 تشرين الاول/اكتوبر 2016 اعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي ساعة الصفر : “يا اهل نينوى الكرام لقد دقت ساعة الانتصار”، ساعتئذ دب الأمل في نفوسنا.

قوات مكافحة الارهاب بدأت تتقدم، تستعيد الحي تلو الحي، كنت امرر اصبعي على خارطة الكترونية انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، لاحصي عدد الاحياء المحررة، بانتظار دورنا, كنت افعل ذلك خلسة فمسلحو التنظيم يحومون حولنا وقد توحشوا، لن يفكروا لحظة سيقتلون اي مدني يحمل هاتفا ويجري اتصالات او يتصفح على مواقع التواصل الاجتماعي. انها ردّة (كفر) وخيانة!

كنت اصعد الى الطابق العلوي في المنزل وافتح الجوال لأبحث عن شبكة الاتصال فأهاتف شقيقي الذي يقيم خارج الموصل اطمأنه عنا واستمع منه عن اخر الاخبار، كان هذا الثقب الصغير الذي ارى منه العالم. في كانون الأول/ ديسمبر 2016, تمركزت عناصر التنظيم في منطقتنا بكثافة، اغلبهم كانوا من الاجانب يصطحبون عائلاتهم، انتابنا شعور باليأس، هؤلاء نقمة حيثما حلوا جلبوا معهم الدمار والخراب.

 بمرور الايام بدأت المواد الغذائية التي خزنّاها تنفد, والدواعش يتحشدون ويلقون الخطب التحريضية والداعية للمقاومة عبر مكبرات الصوت في الجوامع ويهددون بتفتيش المنازل بحثا عن من يجرون اتصالات هاتفية، يومها اصبحت شريحة الاتصال (سيم كارت) التي لا يتعدى حجمها سنتمرا واحدا عبئا أين اخبؤها لقد ضاقت مساحة المنزل بها! 

ثمة من يطرق الباب، عبر فتحة صغيرة من نافذة غرفتي في الطابق العلوي، كان داعشيا اجنبيا تشي به ملامحه، فارع الطول شديد بياض البشرة وذو شعر احمر مشعث،  نزلت اصرخ من خوفي “هل سيخرجوننا من المنزل هل سنتعرض للقصف!!

إلتزمنا الصمت في المنزل ولم نجره اليه، غادر لكنه عاد بعد أقل من ساعة ومعه اثنان من رفاقه، هذه المرة خرج اليهم والدي وابرزلهم ما يثبت ان المنزل ملك لنا، وليس لدينا مكانا نغادر اليه، كنت اتضرع الى الله ان لا يخرجونا، فذلك يعني تأخير تحريرنا.

 اقترب القتال من الحي الذي نسكن فيه، القصف مستمر على المنازل التي يتمركز فيها مقاتول التنظيم. حملت وسادتي الى “تحت الدرج” باعتباره اكثر مكان آمن، كان الرعب يخيم علينا، دوى انفجار هائل نتيجة قصف منزل في الجوار يتخذه داعش مقرا له، ثم قصف منزل اخر كان مستشفى صغيرا لهم.

ليلة 17/1/2017 لم يغمض لنا جفنٌ, عند الساعة 12 ليلاً ، اشتد القصف على نحو لم نشهد من قبل, استهدفت الشوارع الرئيسة والابنية المرتفعة, كانت الارض ترقص تحت الوسادة، وانا ادس رأسي بين كفي واغمض عيني بقوة، هل سأنجو هذه المرة ايضا؟

مرت الدقائق بطيئة جدا كانت دقات قلبي اسرع بكثير من الطبيعي، عندما جر الظلام اذياله، كان السكون قد حلّ على المنطقة، هدوء حذر، تسللت الى الغرفة في الطابق العلوي، رفعت هاتفي الى الاعلى فتسلمت مجموعة رسائل دفعة واحدة.

انه أخي يبشرنا بأننا تحررنا وان القوات العراقية استعادة السيطرة على الحي! طرت الى والدي لابلغهم بالخبر، لم نصدق، بدأنا نراقب الحركة في الخارج، بالفعل سمعنا صوت عجلات الهمر السوداء لقوات مكافحة الارهاب، انه شعور العودة الى الحياة بعدما اوشك الموت ان يدسنا في الغياب الابدي.

الان اقف على مسافة عام من ذلك اليوم، لقد ولدنا من خاصر الحرب المجنونة. 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى