لا شيء يقتل سيد علي

خاص (المنصة)

“لا شيء يقتل سيد علي”. هكذا يتهامس سكان من الموصل وهم
يتلفتون خوفاً من أن يلتقط جنيٌ ما تلك النمائم وينقلها بسرعة البرق الى
(الرشيدية) حيث يسكن السيد منذ عصر ما قبل الكهرباء.

يقسمون برؤوس أطفالهم في المهود
وبرفات أجدادهم في القبور أنهم شاهدوا جثته ممزقة او محترقة أو معلقة على أعمدة
النور. وأنهم مشوا في جنازاته وحضروا دفناته وأهالوا بالتراب على قبوره وبكوا
رهبةً من عودته التاليه في مجالس العزاء التي أقيمت على روحه. لكنه كان يفعلها
دائما ويعود متحرراً من ميتاته المتعددة طوال عقود.

يرجع بذات الكرش المترجرج ونظرة الجوع القديمة التي تظهر على وجهه المنتفخ
كلما انفرد بامرأة تريد استعادة زوجها في السرير أو أن تحمل بذرته في احشائه بعد
سنوات يأس.

وتشير سيرة سيد علي المنقولة جيلاً بعد جيل، الى انه عاد بعد تنفيذ حكمي
شنق نفذا بحقه وسط باب الطوب احدهما في الرمق الأخير للعهد العثماني يوم اقتيد مع
عبود وزوجته أكِلي لحوم الأطفال، وعلقوا بحبال المشانق وسط هتاف الناس. والآخر بعد
سنتين فقط وكان إعداماً عسكرياً نفذه رهط من الجنود الهنود في الجيش الانكليزي دون
ان يشفع له منديل المسز (بيل ) الذي لفته على عنقه ولا حتى أثر القبلة التي طبعتها
على جبينه المتعرق.

كما انه استعاد جسده الضخم بعد ان سحل بسيارة نوع شوفرليت في شوارع بغداد
ثلاثة أيام بلياليها بناءً على اوامر غاضبة من نوري السعيد وبقيت منه الجمجمة وشيء
من العمود الفقري القيت بعدها في نهر دجلة.

وظهر كذلك بعد أن كان الناس قد
آمنوا أخيراً بغيبته إثر إعدامه بواسطة(طوب) طويل الماسورة في عهد الرئيس (عبد
السلام عارف)، نصب بالقرب من الجسر العتيق وسط مدينة الموصل. ولمحاولة فهم ماجرى، أعدمه
الرئيس العراقي التالي (عبد الرحمن عارف) وبذات الطريقة. وكانت المعجزة التي هرول
منها الناس خيفة بعد حفلة الإعدام المدوية، عثورهم على سيد علي وهو يشتري من سوق
العطارين، زعفراناً وبخوراً وماء ورد.

وتقول سيرته الشعبية ايضاً بأن الرئيس احمد حسن البكر تغاضى عن شعوذته لأسباب
تتعلق بالثورة الناشئة، لكن نائبه صدام حسين فقد صبره الحزبي سنة 1977، وأصدر
امراً بتصفيته بعد ان ضبط متلبساً بالتعاون روحياً مع قيادي في الحزب الشيوعي.
وعندما اصبح صدام رئيسا للجمهورية ودخل حرباً مع ايران، أرسل سيد علي في مهمات انتحارية، بدأت من الفاو
صعوداً الى نفط خانة ثم حلبجة. ويقسم ضباط استخبارات متقاعدون بأغلظ الأيمان أنهم
ارسلوه في مهمة الى طهران وان الحرس الثوري اعتقله ومزق جسده بربطه بين سيارتين ثم
اشعلوا جزأيه بالنار .

خلال سنوات الحصار الاقتصادي في
العقد التاسع من القرن المنصرم الذي فرض على العراق بسبب دخوله الكويت، تكفل عزة
ابراهيم نائب صدام، بحماية سيد علي، وتم شموله بتسهيلات الحملة الايمانية. وأصبح زبونه الدائم من اجل قراءة طالع القيادة،
وتحصينها بجيش من خدام الجن للتشويش على فرق التفتيش الدولية. وكان ذلك العقد هو
الوحيد الذي لم يشهد فيه احد مقتل سيد علي.

لكن مع وصول اول سيارة همر امريكية
محتلة الى الموصل في نيسان 2003، تسابقت المجاميع الاسلامية المسلحة الى إقامة
الحدود على سيد علي. (أنصار الاسلام، وجيش محمد، والقاعدة) قتلوه بمختلف الاشكال.
مرة داخل منزله بواسطة مسدسات مزودة بكواتم صوت، وأخرى وهو خارج من مقر للجيش
الامريكي في منطقة الغزلاني اصطاده فيها قناص، وثالثة بعبوة زرعت تحت مقعد سيارته
نوع (بروتون) كانت خارجة من مبنى مجلس المحافظة في الدواسة. وهددوا بتفجير اي مجلس
عزاء يقام على روحه الفاسقة.

وفور اعلان الدولة الاسلامية في
الموصل، افتتح الخليفة عهده بإلقاء سيد علي من فوق عمارة التأمين الشاهقة فيما كان
فريق من الملتحين يعزفون على الدفوف لحن نشيد صليل الصوارم. وقيل بأنه القي بعد
ساعات من عودته في حفرة الخسفة جنوبي الموصل واتبع بحمولات خمسة شاحنات(لوري اقجم)
من التراب. وانه لم يهنا طويلاً بتزامن عودته مع تحرير منطقة الرشيدية من احتلال
داعش في اكتوبر 2017، إذ هبط صاروخ من السماء احاله مع منزله الى تراب، وهو ما اعتذر
عنه البنتاغون ببيان عاجل وصف الحادث بالنيران الصديقة المؤسفة.

ابتسم الباحث والكاتب(عادل مصلح) لهذه الملحمة التاريخية الاسطورية التي
يتناقلها الناس مسبوقة بشعار(كرامة السادة) المقدس. وقال بان كثيرين بالفعل حملوا
أسم(سيد علي)، اشتهر بعضهم بإعمال الخير، وآخرين بالشعوذة، حتى ان مشعوذين انتحلوا
الاسم وكأنه ماركة تجارية مسجلة.

وبين بان: ” الأنظمة العراقية
السابقة لم تعر اهمية كبرى لهؤلاء المشعوذين وتركت لهم مساحة حرية للعمل، وانتشروا
بشكل كبير في تسعينيات القرن المنقضي، وكان هذا متوافقا مع اتساع دائرة التخلف
والجهل والفقر ليس في نينوى فحسب وإنما في العراق بنحو عام”، على حد قوله.

وأشار مازحاً:” سيد علي الحقيقي، كان موجوداً بالفعل وكانت لديه
علاقات مع شخصيات سياسية في عهد النظام السابق،
وقد قتل قبل سنوات”. ثم قال متداركاً نوبة ضحك: ” قتل مرة واحدة
فقط ولم يظهر بعدها “.

د. وعد الأمير، باحث اجتماعي وتدريسي في جامعة الموصل. قال بان: ”
موضوع المشعوذين شاع مجددا، ليس في الموصل فحسب، وإنما في العراق والمنطقة
العربية.
من خلال استغلال
وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات التي روجت لهم أي للدجالين”.

ولذلك يؤكد الأمير:
” شهرة العديد من الدجالين العراقيين
في المحافظات الأخرى من خلال الفضائيات
، فتحت المجال امام عودة انتشار الدجالين المحليين
في نينوى والذين كانوا قد هروبوا عند دخول داعش الاجرامي للمدينة
“.

ويشير الى ان هناك رد فعل عكسي قوي لدى بعض الناس بعد التشويه
المتطرف للدين الذي تسبب به داعش
، والكبت عند النساء
والذي وصل أيضاً الى اعلى درجاته في ظل حكم داعش، وكثيرات للأسف لجأن الى الدجالين كونهن اكثر فئة يتعاملن معهم، فعاد
عملهم للازدهار مجددا.
هكذا يخمن د وعد.

ويطرح سبباً إضافياً لعودة الدجالين الى مزاولة مهنتهم. وهو قدوم سحرة
ومشعوذين متمرسين من محافظات أخرى، مجذوبين بمغناطيس سوق الموصل الرائجة هذه
الايام.

نظرياً، فأن القانون العراقي يكاد يكون رحيماً
بالمشعوذين من وجهة نظر الحقوقي( مروان عزيز)، اذ يؤكد بان القضاء يعاقب السحرة
والمشعوذين وفقاً للمادة (456) من قانون العقوبات العراقي. وهي مادة مخصصة للنصب
والاحتيال. وعقوباتها تتراوح بين السجن والغرامة. وعادة ما يفلت منها المشعوذون
بدفع الغرامة.

ويضيف بأن من وصفهم بالدجالين، يستدرجون السذج على اساس
انهم رجال دين، ويستخدمون الاستشفاء بالقرآن، وإخراج الجن من الجسد. وخلال ذلك
يمارسون الاعيب النصب والاحتيال بإعمال سحر (جذب الحبيب، وفتح الرزق، والانجاب)
وغيرها من الأعمال التي وصفها بالإجرامية.

ويستدرك:” لكن القانون لا يحاسبهم للأسف وذلك لأن
الغالبية العظمى من الضحايا من النساء. وهن يخفن على انفسهن من أقربائهن في حال
كشف امر لجوئهن الى السحرة. وكذلك فان الدجالون يستغلون ظروف انعدام الأمن والفقر
الذين يعدان مرتعا للشعوذة والدجل”. على حد توصيفه.

في منطقة الكرامة الشعبية في الجانب الايسر لمدينة
الموصل، ذاع مؤخرا بعد تحرير الموصل، صيت شخص يقول الناس هناك بأنه يستطيع من خلال
ثياب مراجعيه معرفة تفاصيل سرية عن حياتهم الخاصة، وانه يحل العقد السود المدفونة
في المقابر ويستخرجها من قيعان الأنهر. وحجارته الكريمة تمارس سحراً تجاريا
وعاطفياً غير مسبوقين. وحجاباته المكتوبة بالزعفران تستخدم كدروع ضد الرصاص، وأنه
يمتلك نظرة سونارية لمعرفة جنس الجنين او مقدرة اي رحم على الاننتفاخ بجنين.

واهم ما في سيرته التي يتناقلها الناس هنالك بخشوع، أنه
يضع على الجدار خلفه، صورة كبيرة لشجرة عائلة باوراق خضر كثيرة، أحداها في الاعلى
مكبرة بنحو مبالغ فيه ومكتوب عليها ( سيد علي ).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى