مناجل الحرب على طريق الموصل (1)

خلف أسوار مزينة بحجر الحلان، ثمة نافذة تطل على
الموصل من قلب العاصمة بغداد، انه مرآب العلاوي حيث بدأت الحياة تدب بعد تصحر
استمر لثلاث سنوات، فترة سيطرة تنظيم “داعش” على المدينة.

سيارات التكسي (صفراء وبألوان أخرى) تقف
مترددة خلف هذه الأسوار التي لم تستعد عافيتها كما كانت قبل 2014، وعلى بعد 406 من
العلاوي، ثمة مرآب مهجور، طحنت الحرب اسواره المرصوفة بحجر الحلان أيضا والذي
يتفنن الموصليون بالنقش عليه على طريقة اجدادهم الاشوريين،

مرآب المحطة المهجور، صار ملجأ للكلاب السائبة
والعابثين من الأطفال، لا أصوات نداء فيه (بغداد طالع بغداد).

بين هذين المرآبين، مدن ونقاط تفتيش عسكرية
ومطبات، وبينهما مرت جيوش ومعارك ومسافرين ونازحين.

اول مرة ذهبت الى الموصل بعد حرمان لثلاث
سنوات (احسبها 30 سنة لكثرة مآسيها وخيباتها ولوعاتها)، فعلت ما يفعل أغلب
العائدين الى الموصل بعد تحريرها، لم اذهب الى العلاوي بل أمّنت رحلة عبر الهاتف.

صباح يوم 11 أيار/ ماي 2017 وقفت سيارة
(جارجر) صفراء في كراج العمارة، على وجه السرعة حملت حقائبي ووضعتها في مؤخرة
السيارة، انطلق السائق مسرعا، ارتقينا مجسرا فأشرفنا على كراج العلاوي، السائق كبس
على دواسة البنزين فانطلقت سيارته مثل حصان جامح، كنت ألصق أُذُني بزجاج النافذة.
أريد سماع نداء سائقي التكسي للمسافرين: (موصل طالع موصل). وقلت في نفسي انه
ليعادل عندي نداء الحجيج الى مكة (لبيك اللهم لبيك).

وثقت تلك اللحظة عندما كتبت هذا التشبيه في منشور
على فيسبوك، كتب لي أحد الائمة والخطباء لينصحني: هذا التشبيه غير جائز، وذكرني
بان بعض الكلمات قد تودي بالمرء في نار جهنم!!!

تعسا لكم، يتحدثون باسم الله، ويوزعون الناس
بين الجنة والنار وهم يجلسون على مؤخراتهم الثخينة! ألم يعتبروا من اهوال داعش
الذي أذاق الناس العلقم بملعقة من نار! متى يصحو هؤلاء السكارى بأفيون الشعوب وهم
يرددون آيات وأحاديث كالببغاوات.

“بيجي”

تنطلق سيارتنا مسرعة تطوي المسافات، لكن الـ
406 كم بدت أطول من المعتاد، أدقق النظر في التفاصيل عبر النافذة، كل شيء طبيعي
تقريب، حتى وصلنا تكريت (250 كم جنوب الموصل)، شوهت القنابل والشظايا والاطلاقات
اسوار جامعة تكريت، لقد عرتها الحرب من الغلاف الجميل الذي كان يغطيها.

أخذت نفسا عميقا، وقلت القادم أسوأ، لن أفغر
فمي سأكتفي بهز رأسي، انا ابن ثلاثة حروب لا داعي للمفاجأة. وبعد 40 كم من المشهد
الأول استغرقت في النظر الى جانبي الطريق، ولا اراديا صفرت من هول الدمار ما
شاهدته.

هذه مدينة (بيجي)، حيث دارت معارك طاحنة في
عام 2015 حصدت مناجلها رؤوس المنازل والمحال التجارية والجوامع واعمدة الكهرباء
وابراج الاتصالات، كما حرثت الجسور والشوارع.

(المشهد نفسه تقريبا لم يتغير بعد سنة و7 أشهر
من تحرير البلدة، الفرق انني لم اعد مندهشا لما أرى).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى