الجملة المفقودة

قالت الأم وهي تقلب الرسالة على وجهها الآخر وكأنها تبحث عن الجملة المفقودة وقد علقت في مكان ما:
“ماذا عساه أراد أن يقول؟
كانت تلك الرسالة الثانية من الإبن الذي التحق جنديا مكلفا بالوحدة الرابعة في جلولاء منذ ستة أشهر، وقد بدأها كما تبدأ جميع رسائل الجنود: نحن بخير ولا يهمنا سوى فراقكم الغالي علينا.
قالت وقد تركت الثوب الذي كانت ترتقه قبل قليل يسقط فوق ركبتها ويتدلى طرفه على الأرض: “في السطر التاسع جملة مشطوبة.”
قال الأب يحاول أن يطمئنها:
“ربما أخطأ في الإملاء، فشطب الكلمة ليعيد كتابتها بشكل صحيح.”
قالت الأم: “لو كان الحال كذلك لشطب كلمة واحدة، ربما كلمتين. لكنه شطب جملة كاملة.
 قال الأب: “يجب أن نشعر بالسعادة لأنه بخير. إنه على الأقل في صحة جيدة ومزاج طيب يسمح له بكتابة رسالة. وعلى أية حال فهو الآن رجل يستطيع أن يتدبر شؤونه دون عون منا.”
“تذكرْ أنه كان يخاف من الذبابة، هذا المخلوق الغامض الذي يأتي من لا مكان. ويحط فجأة فوق يديه أو فوق وجهه.”
“لكنه لم يعد طفلا.”
رفعت الرسالة في مواجهة الضوء علها تستطيع قراءة الكلمات المشطوبة:
“ربما أراد أن يطلب منا شيئا، ثم شعر بالتردد، أو أراد أن يخبرنا بما لا يسر ثم غير رأيه.

قال الأب وقد بدأ يضيق بإلحاح الأم:
“ما دام سيأتي في آخر الشهر يمكنك …”
قاطعته: “ليس في آخر الشهر، وإنما في مطلع الشهر المقبل.”
“لا فرق. لكنه سيأتي قريبا.”
“إذا حصل على إجازة.”
“ولم لا يحصل عليها؟”
“قد لا يستحق الإجازة إلا بعد انتهاء فترة التدريب.”
عاودها القلق بشأن العبارة المحذوفة. فقلبت الرسالة على وجهها الثاني مرة أخرى محاولة أن تتعرف على الحروف المشطوبة من ضغط القلم الذي سيكون بارزا على هذا الوجه.
 لكنها لاحظت أن ما بدا بارزا هو حركة القلم وهي تشطب الجملة بإصرار، وتطمس الحروف تماما. ثمة حرف أ في بداية الجملة يمكن تمييزه، ولا شيء آخر.
نهضت وطوت الثوب الذي كانت ترتقه، وضعته على الكرسي الذي كانت تجلس عليه، وضعت الرسالة فوقه وغادرت الغرفة. نهض الأب وتناول الرسالة وعاد إلى قراءتها من جديد، لعله يجد من السياق ما يمكن أن تكونه الجملة المشطوبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى