(لا وقت للفرح) .. لم أتوقف عن شراء الألعاب

عادوا بعدما وضعت الحرب أوزارها وخلفت دمارا في المنازل والمدارس
والمستشفيات والجسور والأسواق … تم طرد “داعش” من الموصل، وعلى مدى
شهرين، روى العائدون قصصا مروعة للصحفية منى محمود.
بمشاعر يغمرها الحزن والغضب، عادت العوائل إلى ما تبقى من منازلها في المدينة القديمة، بعد تحريرها من “داعش”.
تحدث الناس الذين تشغلهم ذكريات أحبائهم، وأهوال الحرب، والمشقة والخوف
الذي تحملوه اثناء فرارهم نحو الملاذ الامن تحت القصف العنيف، والموت
المحقق، والصراع المروع من أجل النجاة في مدينة يكتنفها الدمار.


زوج عبير – ياسر – مع اطفالها الاربعة

-1-
عبير نظير، (34 عاما) تسكن في مدينة الموصل القديمة مع زوجها وأبنائها
الاربعة الذين نجو من الموت، اذ قتل ابنها الاكبر همام في غارة جوية بينما
كانت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة تقصف أهدافا لداعش.
أمرنا مقاتلو التنظيم بالمغادرة، قذائف الهاون تسقط في جميع أنحاء منطقة
رأس الجادة (كان ذلك منتصف نيسان/ابريل 2017). فقلت لهم: أفضل الموت في
منزلي على أن أكون لاجئة في المخيم.
صوّبوا أسلحتهم نحوي، ووضعوني أمام خيار واحد: السكن في منزل كبير بمنطقة قريبة مع خمس عائلات أخرى، الكلام لعبير.
اعتاد همام (15 عاما) مغادرة المنزل عند الخامسة صباحا لبيع الحلويات، فهو
يجني نحو (3.2 $) يومياً، وبقدر حرصه على البيع فإنه يواضب على اداء
الصلوات، ليتجنب الجلد على يد عناصر الحسبة التابعين لداعش.
وذات يوم، دمر انفجار مروع المنزل، لقد بذلت جهداً لكي أفهم ما الذي حدث.
هممت مسرعة الى أطفالي. كانوا يسبحون بدمائهم. أحمد (10 أعوام) فقد جزءا من
خده الأيمن. بينما دُمرت غرفة همام، ووجدت شخصا يصيح بأعلى صوته: “لقد
مات”.

تمزقت ملابسي، وامتلأ جسمي بالشظايا. وضعت أحمد في عربة ودفعته بسرعة إلى
المستشفى. كان نظير مصابا بكسر في الجمجمة، أما يوسف وياسر فكانا مصابين
بشظايا أيضاً.
بعد ذلك أخذتنا أختي للعيش في منزلها بحي الزنجيلي، غربي المدينة مع ست عائلات أُخَرْ.
لقد تحررت المدينة واستقرت حالنا فوجدت نفسي متشوقة للعودة إلى منزلنا مع
أطفالي. لكنني لم أشعر بالحماسة عندما ابتهجت أحياء الموصل بفرح الانتصار
على داعش في 10 تموز/يونيو 2017، اذ انني دائما ما أجشُ بالبكاء على همام.
إن موته يقتلني كل يوم.
لم يبق الا غرفتان من منزلنا بعد الغارة الجوية. وعندما عُدنا، عملت على
وضع بعض الستائر عبر زوايا الغرف المدمرة لكي نتمكن من العيش فيه. لقد
فقدنا جميع أمتعتنا باستثناء مدفأة صغيرة وبعض الملابس الشتوية.
أخبرنا الجيش العراقي بأننا لن نتمكن من الإقامة، لأنه لا تزال المنطقة
خطرة نتيجة وجود العبوات الناسفة والمباني المدمرة، لذلك قمنا بتأجير منزل
قريب من منطقتنا.
لم يعد بإمكان زوجي العمل بعد اصابته، كما أن اصابة أحمد تعني أن لديه فرصة ضئيلة للالتحاق بالمدرسة.


زوجة طارق وبناته الذين قتلو في الموصل
-2-
طارق عبيد (32 عاما) رجل أعمال يعيش في المدينة القديمة. قُتلت زوجته وابنتاه في معركة مدينة الموصل.
عشنا حياة كريمة جداً قبل سيطرة تنظيم “داعش” على المدينة في حزيران/يونيو
204. كنت أُدير مقهى لي ولأخي، وكان العمل ناجحاً جداً، لا سيما في عطلة
نهاية الأسبوع.
عشت طوال عمري في الأزقة الضيقة ولا تزال عالقة في ذاكرتي، منزلنا يتألف من
طابقين، تتوزع عليهما أربع غرف نوم، وغرفة جلوس كبيرة، وحديقة تغطيها
أشجار الحمضيات.
شغلت الطابق العلوي مع زوجتي وطفلتين، مسرة خمس سنوات، ومريم (18 شهرا)، بينما يسكن أخي وأسرته في الطابق الارضي.
أصبحت عاطلا عن العمل بعدما سيطر داعش على الموصل، سُجنتُ مرتين لأنني لم
أكن أطيل لحيتي، ولم ارتدي سروالا قصيرا، والعقوبة كانت (60) جلدة.
في إحدى ليالي أيار 2017، سمعت جلبة وضوضاء غير اعتيادية. هرعت إلى سطح المنزل لرؤية الحي المكتظ بالعائلات الفارة من الخوف.
ها قد بدأ الهجوم العسكري للقضاء على “داعش”. طلبت من أخي الفرار مع عائلته وعائلتي، وقلت له إنني ووالدي سنلتحق بكم.
تحت القصف العنيف، أخذتهم ببطء عبر ممر أقامه السكان المحليين للهروب إلى الجيش العراقي.
وصلنا إلى الساحل الايسر في الموصل، وفورا بدأت أبحث عن أخي وأسرتي في
مخيمات النازحين، لكنني لم أتمكن من العثور عليهم. بدأت أشعر بالقلق وخشيت
ان يكون داعش اخذهم كرهائن.
عدت إلى الحي لأستقصي الاخبار، قال أحد الجيران إن مقاتلي داعش اطلقوا النار على أخي واصابوه في ظهره عندما كان يهمُ بالفرار.
عثرت عليه في المستشفى الأمريكي بمنطقة حمام العليل (20 كم) جنوب الموصل. كانت حالته حرجة.
أخبرني انه أُغميّ عليه بعد اصابته، فافترق عن عائلته، هرعت راكضاً إلى
منطقتنا. قال أحدهم بأن هنالك عدد من الجثث في نهاية الشارع، ولا يمكن
الوصول اليها بسبب القصف. تجاهلت كل المخاطر المحدقة بالمكان وهرعت إلى
هناك.
لم أتمكن من التعرف على وجه زوجتي، لكنها كانت لا تزال ترتدي خاتم زواجنا.
كان هناك فجوة كبيرة في ظهرها وصدرها. وفُقدت الحقيبة اليدوية الخاصة بها
مع كل مجوهراتها. مريم تجثم ميتة إلى جانبها.
علمت بأن مقاتلي داعش نقلوا ابنتي الكبرى إلى المستشفى لكنها توفيت أيضا. لم أجد جثتها أبدا.
ها نحن نعود إلى المنزل، لا وقت للفرح عندنا، منزلنا تضرر بشكل كبير نتيجة
قذائف الهاون، وثمة من سرق التلفزيون، والمدفأة، ومبرد الماء، والثلاجة.
المياه توقفت عن التدفق في الصنابير، لكن ناقلات المياه تأتي يومياً تبيع خزان المياه بـ ($4)، بينما نستخدم مياه الآبار للغسل.
أخي تعافى تدريجيا، ولكن ما زال عقلي مشغولاً بما حدث. احتفظ بذكريات زوجتي
وبناتي في جميع أنحاء المنزل، وأسمع أصواتهم في أذني. لا أستطيع التوقف عن
شراء الألعاب لبناتي، كما لو انهن ما زلنّ على قيد الحياة.

المصدر: الغارديان

https://www.theguardian.com/cities/2018/jan/31/death-portraits-life-iraq-mosul-old-city

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى