التعايش في الموصل : يبدأ بالاقتصاد ويصطدم بحائط الفقر

للتعايش مستلزمات تتعدى منظومتها القيمية والسبل المنهجية التي تسلكها ، لتتركز على توفير سبل العيش ، فمن دونها فإننا سنكون أمام مجتمعات الفقر ، والتي تتسم بتفشي العنف فيها عصابات الجريمة المنظمة ، فضلا عن إمكانية تسلل أفكار الكراهية إليها بسهولة . لهذا فان توفير وعاء للعيش قادر على تلبية حاجات الفرد اليومية وان يجد الفرد ذاته وطموحاته  وأن يؤسس لمستقبل آمن يمر عبر بوابة الاقتصاد من توفير فرص عمل واستثمار للموارد البشرية والمادية ، علاوة على الأمن الغذائي والضمان الاجتماعي .

ازدهار اقتصادي يساوي ترسيخ فكرة التعايش

تشير تجارب التعايش في الأنظمة المتقدمة إلى أنها قطعت شوطا كبيرا في ضمان العيش الكريم ، فواحدة من المستلزمات لقبولها التعايش المتبادل بين المختلفين ، وتمثل التجربة السويسرية والهولندية والبلجيكية أنصع التجارب التي قلل فيها الازدهار الاقتصادي من حدة خطابات الكراهية بين المتعايشين وسيادة خطاب التسامح على بين مواطني تلك التجارب . علاوة على تعزيز تلك التجارب ذاتها عبر اقتصاد السوق وتحصينها عبر الضريبة . وهو ما جعل من قوى السوق الخفية والواجب الضريبي يعزز من بقاء التعايش في تلك المجتمعات أقوى وعوامل التفاهم والحوار المتبادل أكبر .

مجتمعات الريع والهبات

تتسم معظم المجتمعات العربية بأنها مجتمعات ريعية وهذا الريع متأتي من النفط والغاز كمورد أساسي لها . وهذا التوصيف ينطبق على المجتمع والموصلي . إذ يشكل الريع النفطي المورد الأساسي وجل اعتماد الدولة والإدارة المحلية يقع في الجزء الأكبر منه على ذلك . لذلك فثمة أزمات تدور في تلك المجتمعات على الريع والسيطرة عليه واحتكار أمواله وموارده ولأن الدولة عندنا هي المالك الأساسي لهذا الريع فهي تقوم بتوزيع ذلك الريع على شكل هبات ومنح وامتيازات وتمارس عبرها التسلط وتبث ما تشاء من خطاب الكراهية وانتقاص من المخالفين لتوجهات القائمين على سدة السلطة السياسية . لذا فان مجتمعات الريع تعيش على تراتبية تعايش ظاهري قائم على تلك المنح والهبات ويرتهن التعايش بوجود تلك الهبات . لذا فان التعايش سيبدو فيها بأوهن أحواله وعندئذ سيتصاعد خطاب الانتقام وتبدأ سموم الكراهية تنفث من أصحاب النفوذ والانتهازية .

الموصل ثنائية الريع والسوق

تتميز محافظة نينوى بمواردها الطبيعية ، يضاف إليها قدراتها البشرية التي تتسم بتنوع أنشطتها الاقتصادية والتجارية ، وهذا يؤهلها لأن توفر مستلزم التعيش بوجهه الاقتصادي ، بيد أن انخفاض ذلك النشاط الاقتصادي فضلا عن تزايد اعتمادها على الريع الذي توفره الحكومة المركزية ، جعل من عملية توزيع الريع مثار تنافس وتناحر بين أطراف كثيرة ، من هنا فان تعزيز أفق الاستثمار واقتصاد السوق يعد وسيلة مهمة لزيادة اعتماد الفرد – المواطن على ذاته ويقلل من اعتماديته على ريع الدولة الذي يكون خاضع لطبيعة ومزاج القائمين على سدة الحكم.

بيئات الفقر والازدهار تتصارع في الموصل

لا يقتصر التنوع في الموصل على أصنافه اللغوية والدينية والعرقية فحسب ، بل استوطن كذلك في وجود مناطق تتسم بالازدهار والرفاهية ورغد العيش مع وجود بيئات فقر تحيطها ، تعيش صراعات مزمنة تؤثر على توفير سبل ومستلزمات التعايش ، اذ ان منهجية التنمكية الزودوجة لمناطق دون أخرى أثرت بشكل كبير على طبيعة الصراع لتأتي داعش وتستثمره تحت مسمى الغنائم لتسرق بموجبها كل أملاك المخالفين لها .

البطالة آفة تأكل التعايش

جيوش العاطلين عن العمل والمشحونين بدعاوى الانتقام من الوضع الاقتصادي ، تشكل البيئة التي تنمو فيها خطابات الكراهية والرفض بما يشكله من قلب لموازين القوى ، حتى وأن كانت على حساب كيان التعايش وهو ما يشكل إرهاقا متزايدا لأي خطاب يبني آماله على استمرار التعايش ، وهذه الحال استفحلت في الموصل وكان الثغرة التي تسلل منها خطاب داعش الى قلوب العاطلين عن العمل وبنى لهم وعوده الزائفة بضمان الجنة ، وتم عبرها دق اسفين في نعش التعايش في الموصل ، لذلك فان التحذير الأساسي يصدر اليوم من إمكانية إعادة تجربة جيوش العاطلين عن العمل إن لم يتم إيجاد قنوات لتصريف طاقاتهم عبر عالم الأعمال والفرص والسوق أو فرص العمل التي توفرها الدولة عبر دمجهم بمؤسساتها المختلفة .

آمال التعايش الموصلية معلقة

انتقلت الموصل من أهم محنة مرت عليها عبر تخلصها من احتلال داعش  ، بيد أنها اكتشفت أن ثمة جروح ندبت على جسدها من دمار للبنى التحتية والمادية والبشرية علاوة على ضنك العيش وانعكاسات ذلك على جميع مناحي الحياة . وحاجتها اليوم قبل أي شيء هي ترميم الذات عبر توفير فرص العمل وزيادة حجم الاستثمار فضلا عن ربط مناطق المحافظة وكتفي الموصل بالطرق والجسور التي فجرها داعش ، والتي كانت من نتائجها تقطيع أوصال المحافظة بانقطاع وسائل التنقل بين مناطقها ، إذ أن واحدة من ابرز المستلزمات التي وفرتها مجتمعات التعايش هو وجود شبكة كبيرة من الطرق والجسور وسكك الحديد التي عززت وسائل التواصل بين أبناء مناطق تلك المجتمعات فضلا عن أنها كانت وسيلة مهمة للحوار والتعارف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى