الفاسدون حولوا المصانع لمراكز تجارية فدمروا البلد

دروس من سنوات الحرب والسلم في البوسنة والهرسك
(7)

“ما تم تدميره في بضع سنوات لا يمكن استعادته في عقود… للأسف هذا ما حصل فالمدن والقرى التي كانت تعج بالحياة قبل الحرب وهي تضم مختلف القوميات، تراها اليوم وكأنها تنتظر الموت… المدينة عبارة عن اهاليها حين يغادرونها لا تظل هي على حالها تصبح مدينة أخرى غريبة عنا”، يقول وليد ديزيندو.

ديزيندو، تدريسي لمدة 45 سنة، وصحفي غطى فصول الحرب، وشهد صراعات الساسة وتحولات المجتمعات الخائفة من الابادة. رصد طوال عقدين، هجرات المكونات واندثار البلدات والقرى وموت الحياة، كما رصد حياة الجنود والقادة والعلاقة الحميمية بين الطرفين خلال الحرب، وتبدل الأحوال بعد الحرب، وشهد العديد من مواقف وقصص تكاتف وتلاحم العوائل المختلفة عرقيا خلال الحرب وبعدها والتي شكلت مصدر أمل بمستقبل التعايش ورفض التطرف باسم القومية والدين والمذهب.

البلدة التي عشت فيها تحولت الى خط حرب بين المتصارعين وشهدت جولات من الصراع الدموي… قبل الحرب كان هناك 12 الف بوشناقي (مسلم) وأكثرمن ثلاثة آلاف صربي وبضع مئات من الكروات…. هجر الصرب البلدة خلال الحرب خوفا من التصفيات وكذلك بعض الكروات…. بعد انتهاء الحرب عاد البعض، ولم تتغير ديمغرافية البلدة كثيرا، لكن عدد السكان تراجع الى ما دون العشرة آلاف مواطن…الناس من كل المكونات يرون ان البلدة لم تعد مناسبة للحياة والعمل انهم يهجرونها.

خلال الحرب حمينا الكروات ومنعنا تعرضهم للقتل على يد المتطرفين المسلمين، لم نسمح لهم ان ينتقموا منهم لمجرد ان كروات آخرين كانوا ارتكبوا عمليات قتل ضد المسلمين في مدينة اخرى… كنا نشاركهم في اعيادهم بالكنسية حتى خلال الحرب، في اكثر من مناسبة دينية لم يكن هناك مصلون كروات في الكنيسة فكنا نذهب الى هناك للاحتفال ولكي لا تظل ابواب كنيستهم مغلقة…. لم يكن لدينا مشكلة مع الصرب ولم يكن نريد ان يتركوا البلدة، لكنهم كانوا خائفين من القتل، كما كان المسلمون خائفين من القتل على يد الجيش الصربي عند اقترابه من البلدة… لكن الجهود الشخصية ظلت مستمرة لحماية بعضنا، ظلت الكثير من العلاقات بين العوائل من المكونات المختلفة قائمة حتى بعد الحرب.

كانت العلاقة جيدة بين القادة والجنود خلال الحرب، في الجبهات كانت هناك حميمية بين الطرفين وتفهم وتوادد، كنا ننتقدهم ونلومهم ونتبادل الحكايات معهم وحتى المزاح.. بعد الحرب أصبح الوصول الى القادة السياسيين والعسكريين صعبا جدا، ولم تبق تلك الحميمية، خاصة ان الكثير من كبار المسؤولين الذين سيطروا على السلطة بحثوا عن مصالحهم وبعضهم تورطوا في الفساد.

ربما كان علينا ان نحارب من اجل انفسنا كصحفيين وكمقاتلين، من أجل حقوقنا كما كنا نحارب من اجل الاخرين، لكننا لم نفعل.

التعايش الاجتماعي في البوسنة استهدف بعمق، الكثير من العوائل التي ظلت متعايشة وفي علاقات محبة طوال عقود، صارت تنظر الى بعضها بعين الشك والخوف ..حدثت شروخ عميقة بسبب الدعايات والاشاعات والاعلام القومي السيء وخطابات القادة المتطرفين.. اليوم نرى ان الأمل في الشباب وليس في جيلنا.. وليس لدينا خيار آخر غير استعادة التعايش لا يمكن ان نحقق اي شيء بغير اعادة ذلك التعايش.

ما تم تدميره في بضع سنوات لا يمكن استعادته في عقود… للاسف هذا ما حصل فالمدن والقرى التي كانت تعج بالحياة قبل الحرب وهي تضم كل القوميات، تراها اليوم وكأنها تنتظر الموت والاندثار.

اليوم عدد الوفيات اكبر من المواليد، الاطفال قلائل، صفوف المدارس فارغة، هناك مناطق عديدة في البوسنة فارغة تماما من السكان… هذه مشكلة كبيرة، الاطفال الذين كانوا يملؤون الأزقة لا تجدهم اليوم … في الصف الاول في البلدة التي كان بها اربعة صفوف مليئة الآن لا تضم غير طالبين او ثلاثة… المشكلة الأساسية اليوم في الوضع الاقتصادي السيء فالكل يهاجر، ومع هذا الواقع والخوف من المستقبل هناك مواليد اقل.. اطفال اقل..كان في كل بيت هناك خمسة اطفال كمعدل، الآن هناك طفل واحد او لا طفل… الحرب دمرت كل شيء.

كل الأطراف كانت تتقاتل من اجل السيطرة على اكبر مساحة من الأراضي لضمها، الآن لا يوجد سكان لكي يعيشوا او يعملوا في تلك الاراضي… الكثير منها فارغة… والشباب يهاجرون.

الخصخصة التي أتى بها الفاسدون من التجار والمستثمرين والباحثين عن الربح، وبغياب الدولة، زادت الامور تعقيدا…هؤلاء سيطروا على المصانع وحولوها الى مراكز تجارية، وحولوا البلد من الانتاج الى الاستهلاك بذلك هم تسببوا بتدمير البلد.. كانت دول الاتحاد اليوغسلافيا بلدان صناعية مزدهرة، هي اليوم في معظمها بلدان تعاني.

الفاسدون من الساسة مصالحهم فوق كل شيء ولا يريدون اناس مستقلين اقتصاديا لأن ذلك يمنعهم من السيطرة عليهم.

الدستور والاوضاع السياسية والفساد كلها ضد الجهود الفردية التي يقوم بها الصحفيون والمثقفون من اجل تحقيق الاصلاح واعادة التعايش والبناء…. ربما في المستقبل هذه الدائرة الصغير من جهود الصحفيين والمثقفين تكبر وتصبح مؤثرة في مواجهة السلطة والقوانين والدستور الذي يقسم المجتمع ويعرقل التعايش والبناء.

للأسف المدينة عبارة عن اهاليها، حين يغادرون فان المدينة لا تظل على حالها وتصبح مدينة أخرى غريبة عنا.

*المادة من مخرجات الورشة التدريبية التي نظمتها منظمة دعم الاعلام الحر (ims) بالتنسيق مع رابطة صحفيي البوسنة والهرسك، في العاصمة البوسنية سرايفو، لاعلاميين ونشطاء عراقيين وسوريين  بضمنهم صحفيون في شبكة “نيريج” الاستقصائية، والتي تركزت على دروس الحرب الأهلية البوسنية والمرحلة الانتقالية، ودور الاعلام خلال فترتي الحرب واعادة بناء السلام.

*قتل في الحرب الأهلية البوسنية (1992-1995) أكثر من 100 الف انسان، وخلفت الحرب 30 الف ضحية للعنف الجنسي واكثر من 700 مقبرة جماعية تضم اكثر من 30 الف ضحية.

*صحفي ومحلل سياسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى