سينمات الموصل بين الأمس واليوم

السينما
أداة تثقيفية قبل أن تكون ترفيهية ، وهي فن شعبي جماهيري قوي لأنه يستوعب
العناصر المختلفة من فروع المعرفة الأنسانية وتجاربها ؛ واستطاعت السينما
أن تنتشر وتتطور بسرعة عجيبة مع عمرها القصير مقارنة بالفنون الأخرى إذ
بدأت صناعة السينما في عام 1896 .
وفي بدايات القرن العشرين بدأت مدينة
الموصل بإنشاء دور العرض السينمائي ، وفي العام 1940 وصل عدد دور العرض في
الموصل الى خمسة، اربعة منها صالات شتوية و واحدة صيفية ، وفي العام 1955
ارتفع العدد الى ستة صالات  شتوية وستة صيفية ، ثم ارتفع العدد الى 12 دار
عرض شتوي في العام 1975 .

ومن الملاحظ ان أسماء دور العرض اغلبها اسماء
من التاريخ والتراث العربي مما يدل على الوعي الثقافي والوطني لدى اصحابها،
ومن هذه الأسماء (حمورابي ، غرناطه ، اشبيليه ، بابل ، الحدباء ، الوطني ،
السعدون ، الاندلس ، الملك غازي ، الملك فيصل ، الوطن).
لقد كانت السينما مصدر ثقافة لعدد من الأجيال من خلال أفلامها الرائعة ،
ونذكر منها : ذهب مع الريح ، الطاحونة الحمراء ، زوربا ، الأمريكي القبيح ،
كم وادينا أخضر ، أم الهند ، الناصر صلاح الدين ، الحرب والسلام ، معجزة
في ميلانو ، سارق الدراجات ، إلى أستاذي مع أطيب التمنيات .
ولعل الفضل
في عرض هذه الأفلام الراقية يعود لعدد من أصحاب الدور ذوي الثقافات الجيدة
، منهم : اسماعيل شريف ، حازم فائق ، حبيب الملاك ، كامل ساره ، ميسر قاسم
، عماد عبد الكريم ، الشيخ يونس حسن.

ومع بداية سلسلة الحروب التي مرت على العراق وتأثر جميع مرافق البلد
وتدهورها ، اصاب الموصل ما اصاب بقية محافظات العراق إذ بدأت تختفي دور
العرض شيئا فشيئا ، حتى عام ٢٠١٤ عندما دخل تنظيم داعش الى المدينة اغلق ما
تبقى من صالات السينما ..
وقد تحولت الصالات الى اشياء اخرى واندثر
معظمها مثل سينما الهلال التي انشأت في شارع نينوى قرب قنطرة بيت الجومرد،
وسينما دنيا في منطقة الفيصلية التي حولت الى مرآب لوقوف سيارات تلكيف
والحمدانية، وسينما الفردوس التي أصبحت سوق للخضار في منطقة باب الطوب،
وسينما الحدباء في مدخل الصوافة التي باتت فندقا ،
أما سينما كامل فأصبحت مخزنا لبيع الأسفنج وسينما الحمراء التي تقع في
الجهة المقابلة لجامع الصابونجي حولت الى مرآب ؛ وسينما الجمهورية أصبحت
حاليا ساحة ،وجراء المعارك الأخيرة ضد داعش دمرت سينما الأندلس والسعدون
وسمير اميس وبابل.

مواقف
وتحل مدينة الموصل في المرتبة الثانية
من حيث عدد صالات العرض بعد العاصمة بغداد،
ومن الذكريات السينمائية في بداية ستينيات القرن الماضي عندما حدث فيضان في
نهر دجلة وأغرق العديد من الأحياء والمحال التجارية تدخل الجيش العراقي
لعمل سد على ضفاف النهر ولكن هذا العمل احتاج الى جهود كبيرة، لذلك حضرت
السيارات العسكرية الى دور العرض وخاطب ضباطها المشاهدين المتواجدين في
الصالات وانتخوهم للمساعدة في محاولة لدرء الفيضان وهب ابناء الموصل وركبوا
في السيارات العسكرية وتوجهوا الى حافة النهر وقاموا بملأ الأكياس بالرمال
وعمل السدود وكان هذا موقفا لازال يذكر في النخوة ويضرب به المثل .

السينما والعلم
كانت
إدارات المدارس تحجز صالات السينما لطلبتها من اجل التوعية والتعليم، ومن
الأفلام التي كانت تعرض للطلبة ” إلى استاذي مع أطيب التمنيات” الذي عرض في
سينما اشبيليه وتدور احداث هذا الفلم حول معلم ينقل الى مدرسة طلابها
مشاكسين جدا ويقابل المدرس مشاكل عديدة مع طلبته الا ان صبره وحنكته تحول
الطلبة المشاكسين إلى طلبة رائعين مهذبين حتى إنهم يحيون حفلة وداعية
للأستاذ قبل أن يغادروا المدرسة.
كما يذكر أن إحدى إدارات المدارس
حجزت صالة سينما الأندلس ليشاهد طلبتها الفلم العربي الكبير (الرصاصة لا
تزال في جيبي) لرفع الروح الوطنية للطلبة ،

وكانت النقاشات
والحوارات السينمائية تتداول بين جمهور مثقف محترم اكتسب خبرة سينمائية
كبيرة في مجال النقد السينمائي منهم الدكتور عمر الطالب والأستاذ سالم
العزاوي و مظفر الجراح وحسن فاشل رحمهم الله جميعا ..
ويامل مثقفو
الموصل أن يعاد تشييد صالات السينما من قبل الحكومة المحلية أو من رجال
القطاع الخاص لرفد المدينة بأحدى مجالات الثقافة التي تحتاجها في الوقت
الحاضر اكثر من غيره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى