بين وارسو والموصل

في كل مرةٍ، ازور فيها وارسو، يصيبني الامل …. يومَ امس، كنا قد اختتمنا جولتنا الشعرية بفيلم وثائقي عن مدينة كراكوف، المدينة التي لم تخربها الحرب . كانت العبارةُ التي تسللت الى اعماقي وذكرتني بنفسي وبالموصل عندما قال الراوي، “ان في عام ١٩٤٦، في ذلك التاريخ كانت قد اختفت وارسو من الوجود، كلمات سهلة جدا لكنها تعني الكثير… لذا اصبحت مدينة كركوف واجهة الهاربين من جحيم الحرب في العاصمة البولندية”. ..

نعم ياسادتي، فوارسو التي كانت تسمى بباريس الشمال، مدينة الفن والعلم… مدينة شوبن عازف البيانو ، ومدينة نيكولاس كوبرنيكوس عالم الفلك … نعم يا اصدقائي، لم تشفع لوراسو رموزها، ولم يخجل القادةُ المعتوهون من إلقاء القنابل على المدينة القديمة بكل سخاء ووقاحة، تلك الجدارات المزركشة والشبابيك العتيقة.. جميعها رقدت وآلت الى حجرٍ وانقاض،، وهي التي كانت كانت كائناتٍ حية تُلقي السلام على القادمين.

في كل مرة ازور فيها وارسو، اشمُّ رائحةَ البارودِ ممزوجة بالورود. ارى رجالاً ونساءاً، تكاثفوا وساروا الى بناء مدينةٍ مدمرةٍ خاويةً على عروشها… في كل مرة ازور فيها وارسو، يجتاحني حزنٌ عميق، وصمت بعد العاصفة، يثقبُه صوتُ عازفِ البيانو والكيتاريست المتجول… ذاك الذي يعترض الخلق بانغامهِ طمعاً بزلوتي اخر لكي يكمل سعر زجاجة الفودكا التي ستنادمه في اخر النهار….. نعم.. هو صمت، يبددهُ صوتُ الميترو المتنقل بين موجيني و كوبيته، او ذاك القطار القادم من كروجيسكو ماتسوفيتسكيكو، صورةٌ حديثة بحتة، مزركشة بناطحاتِ السحاب التي تجاور برج العلوم الثقافة…. اما في الاسفل، فثمةَ حركة سريعة ومتسكعو الطريق، في انتظار اي مدخّن آخر يستوقفوه بصدفةٍ مصطنعة، ويسألهُ عن سكارة! يا سادتي ، هذه مدينة التناقض، مدينة تجمع بين الاضطاد كقطعةٍ نثرية لجبران خليل جبران بينما يصف الليل…

في وارسو هناك نهر ذو ضفاف خضراء ، هو اشبه بدجلة عند جسر الثالث بالموصل، انه نهر فستولا… اكثرُ بقعة في العالم تذكرني بالموصل…

وارسو، تلك التجربة الناجحة التي ما ان غرقتُ بالإحباط حتى تذكرّتُها، فيتدفقُ الأمل مُخلخِلاً بجداولي… وارسو هي تعزيةٌ تنير نفوسَ هؤلاء الذين تشردوا وخسروا مدينتهم وتراثهم ودنيتهم وآخرتهم ، حكاية النهوض من الركام، وهي تصديق لإسطورة الطائر الفينيقي بالصوت والصورة… وارسو ، هي إحدى معجزات التاريخ الحديث، حدثت لكي لا يصيبنا القنوط واليأس…. لازلت اسمع ملكها زكزمونت الثالث الذي اسسها ، اذ يهمس بالسر لي ، ان كل شيء سيعود على مايرام ….

نحن ابناءُ المدنِ التي داست حرمتها حوافر الحرب، نرنوا كزهرِ الشمس صوبَ التجارب المشرقة.. ونشعر بالوجع الثقيل بينما نحتسي التجارب الذائبة في قهوةِ التاريخ، اليوم ساقول لوارسو اخبار مدينة الموصل.. ساخبر جدار قصورها المعمرة ، ان اختها مدينة اشور قد اصابها الدمار … لم يعد لدينا ما نفخر به.. جريمة حدثت امام عالم عاجز او يتظاهر العجز ، يحلق ملايين الاميل في الفضاء بحثاً عن حياة ، ويعجز عن حماية الملايين من الاروح على الارض… جريمة تم تصويرها بتقنية ال اج دي… لقد صوروا وارسوا المدمرة بالاسود والابيض… واليوم تتماهى باحلاهما وتتمادى بجمالها وتمزج بين الماضي والحاضر……

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى