التعايش في الموصل : واقع اجتماعي اسفنجي

استوطنت ارض نينوى والموصل على مدى تاريخها العتيق أقوام وقبائل ونشأت فيها اديان واندثرت اعراق وحضارات ، لكن مايميزها على مدى هذا التاريخ الطويل تلك السمة البارزة لها انها لم تعكس هوية اجتماعية واحدة بل حملت معاني ازدهارها وقوتها من تنوعها الاجتماعي ، بالرغم من ارتباط اسمها لفترات معينة بحكم قوم أو ديانة أو عرق ، وتوالت على حكم نينوى بمساحتها وطبائها الاجتماعية سلالات عدة وانظمة حكم متباينة ويعود جزء من ذلك الى انها نقطة الوصل بين الشرق والغرب .
واقع اجتماعي يحمل التباين في احشائه :
الموصل لانها كان طريق المواصلات بين ارجاء العالم القديم فقد تنوع تكوينها الاجتماعي وهذا حال كل المدن التجارية التي يبقى فيها التباين الاجتماعي حتى بعد انتهاء ميزتها الجغرافية ، وتشكل التكوينات الاجتماعية في نينوى من عرقيا من العرب والكورد والتركمان والكلدان والاشوريين والشبك والارمن ، ودينيا من الاسلام والمسيحية والايزيدية والكاكئية ، ومذهبيا السنة والشيعة على المستوى الاسلامي ، الكاثوليك والارثوذكس والانجيليون على المستوى المسيحي . أما على المستوى الجغرافي الريف والمدينة ، وفي المدينة العوائل والحرف والطبقات ، أما الريف فثمة تعدد قبلي وعشائري مما لايتسع المجال لذكره . واذا حمل هذا التباين الاجتماعي النفور والاحتراب الاهلي في مناطق اخرى الا انه كان في الموصل من عوامل بقائها وشاهدة على توالي المجموعات الاجتماعية وتعايشها مع بعضها البعض لفترات ليست بالهينة .
الحماية بالتنوع الاجتماعي :
جزء من حيوية الموصل وفاعليتها التاريخية لانها حملت هذا التباين وجعلته جزء من صورتها امام الاخر ولانها عاشت تحدي تلو الاخر فان النسيج الاجتماعي في الموصل منذ عام 2003 واختتم بعام 2014 بانهيار التعايش الذي بني على هذا التباين المجتمعي نتيجة احتلال داعش وماسعى اليه ، ليس الى تهشيم التعايش بل القضاء على فكرة التنوع الاجتماعي الموجودة في الموصل ، ولان الافتراض الذي ساد منذ امد ليس بالبعيد وعشعش فيه خطاب الكراهية والذي روج الى ان فكرة التباين الاجتماعي تلك هي جزء من تخلفنا ومشاكلنا فلابد عندئذ من محاولة القضاء على هذا التباين عبر التهجير ومصادرة الممتلكات وتفجير المنازل وحرق المزراع ومنع التواصل الانساني والاجتماعي بين المكونات في نينوى عبر الخطف والسبي والتنكيل . وهو ماترك اثره بالسلب على مرحلة مابعد داعش التي تحتاج الى جهود مضنية لادراك جملة المشكلات التي تمخضت عن محولة المس بالتنوع الاجتماعي في نينوى والموصل .
ملفات مجتمعية على طاولة نقاش التعايش :
يواجة التعايش في الموصل ملفات مجتمعية ساخنة قسم منها لايحتمل التأجيل واخى تحتاج الى تضافر جهود الجميع لحلها لانها تمس اسس التعايش ذاته ، أما الالى فتتمثل بالتهجير والتغيير الديمغرافي والذي بدأ منذ عقد السبعينات من القرن الماضي ولم ينتهي عند 2003 بل ثمة تبادل للادوار وتعرضت كثير من المكونات الاجتماعية للتهجير بفعل الجماعات الارهابية التي كان تسيطر على تحت الارض وتمارس التهديد للمخالفين ومحاولة تصفية مناطق لمكونات معينة او محاولة ان تصطبغ بنقاوة لمكون اجتماعي محدد وهو الامر الذي انعكس بنتيجة اخرى وهي التغيير الديمغرافي للطابع السكاني في مناطق في نينوى ولاسيما في المناطق التي تسمى المتنازع عليها فثمة سعي محموم بين هذا الاطراف لتكثيف لون اجتماعي في منطقة على حساب لون اجتماعي اخر وهو الامر الذي انتج احتقان وتشنج اجتماعي في مناطق سهل نينوى بوابة مدينة الموصل من الشرق وسنجار ايقونة الموصل في جانبها الغربي وزمار ومناطق اخرى . اما المشكلات التي تحتاج الى تضافر جهود الجميع فهي مافعله داعش الارهابي من جرائم مست الضمير المجتمعي والانساني ويقع في مقدمتها قضايا المختطفين والمفقودين والنساء الايزيديات اللاتي تعرضن للسبي وكذلك قضايا الاعدام والقتل ومصادرة الممتلكات من افراد ينتمون الى فئة اجتماعية قبلية كانت ام عرقية ام طائفية . الملفات الاخيرة تحتاج الى جهود جبارة من بناء التعايش على اسس يكون التسامح في مقدمتها كما تكون العدالة الانتقالية الوسيلة المثلى لترويض دعاوى الانتقام والكراهية .
ما الحل ؟
لايبنى التعايش على اراء طيف اجتماعي او يعكس رؤية فئة واحدة لذلك هي ميزته بانه حصيلة جميع وتقسيم ، والمكون الاجتماعي ان استفرد بارض وقتئذ لايحتاج الى التعايش، بل الحاجة الى التعايش تبرز عند التنوع الاجتماعي وبوجوده ، وماتحتاجه الموصل لبناء التعايش بجانبه الاجتماعي هو ابراز تنوعها الاجتماعي والحفاظ عليه وعلى طقوسه عبر مهرجانات ثقافية ودراسات واطلس اجتماعي يوثق هذا التنوع الاجتماعي كسمة وامتياز للموصل دون اصقاع العراق الاخرى ، علاوة على جملة من الاجراءات القانونية التي تمنع المس بهذا التنوع الاجتماعي عبر بث خطاب الكراهية بمنصات التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى