قميص “نص ردن”

د. طارق القصار
بمناسبة الذكرى السنوية الاولى لتحرير الموصل، فتحت أحد دفاتر المذكرات التي كتبتها عندما كنا تحت سيطرة تنظيم “داعش” الإرهابي، والقصة تعود بالتحديد في بداية شهر نيسان 2017.

ذهبت الى منطقة 17 تموز غربي الموصل، والتي أطلق عليها تنظيم داعش (حي الفتح) فمنا هناك كانت بداية اقتحامهم للمدينة في حزيران 2014، ثم غيروا الاسم الى (أرض الثبات) بعدما خسر التنظيم سيطرته على معظم الاحياء، أو هي ما أطلقنا نحن عليها مجازا بباب الطوب موصل الجديد، فبعد ان أعاد الجيش تحرير الاسواق الرئيسية صارت هذه المنطقة بمثابة منطقة التسوق.

كنا نذهب الى تلك المنطقة لشراء الخضراوات التي لا تتوفر في مكان أخر، وحتى لا يذهب ذهن القارئ بعيدا فالخضراوات التي كنا نشتريها عبارة عن سلق لا يمكن لأي ربة بيت ان تقبل به بالظروف العادية، لكن جلبه الان يمثل املا بنوع جديد من الطعام. وكانت تصل سعر رزمة السلق الواحدة التي تضم 10 أوراق 5000 الاف دينار، هناك حاجة الى 3 رزم كحد أدني لتوفير طبق غذائي مقبول، اضافة الى البصل الأخضر، الرزمة الواحدة مكونة من 4 بصلات لا يتجاوز حجمها حجم إصبع الخنصر لطفل رضيع بألفي دينار.

اما الترف الحقيقي فيكون بشراء البطاطا الحلوة أو ما تسمى تفاح الارض والتي تفننت المرأة الموصلية في الجانب الأيمن من الموصل في طهوها بطرق متنوعة. فتارة تقدم مع الكاري وتارة مع المعجون وتارة مشوية وهكذا، اضافة الى رفاهية اوراق اللهانة والتي لم أرها سابقا في اي سوق خضار محلي او دولي، والحق يقال ان اوراق اللهانة هذه كانت العنصر الوحيد الذي يعيد لنا ذكريات اكلة تعشقها العائلة موصلية (الدولمة)، واستخدامها مع الشوندر الاحمر والتوابل لعمل اطباق من السلطة.

كان السوق باب العجائب الأكبر فالبضائع المعروضة للبيع غالبا ما تكون مسروقة من بيوت العائلات الفارة الى مناطق التحرير او المنازل التي تركها اهلها بعد اشتداد المعارك أو هي من بضائع المحلات التجارية التي تعرضت للنهب بعد ان اصبحت ساحة من ساحات المعركة، وكنا نشهد في كل يوم صراخا هنا وصراخا هناك يدعي فيها من يعلوا صوته ان البضاعة المعروضة هي من حر ماله، عن بعد اراقب الامور فالأفضل ان تبقى مراقبا في مثل هذه الفوضى.

زرت السوق وكنت ارتدي الزي الموحد الذي يعرفني به الكثيرون، سروال برمودا أحمر وتي شيرت نصف كم أسود اللون، ومررت من أمام عربة تعرض بضائع مختلفة، قمصانا، أحذية رجالية ورياضية، كرات، زجاجيات…

أحد الاشخاص يسأل البائع عن قميص نصف ردن، فرد البائع بصوت عال وهو ينظر نحوي: حجي أنا لا أبيع أو أشتري القمصان ذات النصف ردن، لأن والدي قد منعني من ارتدائها منذ كنت صغيرا، إنها ملابس (الشلاتية).

ورغم ان والدي ووالدتي قد حلفاني بإغلظ الايمان ان لا اتكلم بعد ان نجوت بأعجوبة قبلها بأيام نتيجة رفع صوتي بقراءة المعوذتين مما اعتبرها أحدهم اهانة له، لكني لم أستطع السكوت، التفت اليه مبتسما وقلت له: ألم يقل لك والدك شيئا عن السروال وطوله؟

وقف البائع ينظر الي وبدون ان أمنحه فرصة الإجابة، استدركت: كان والدك محقا فبضاعة مجهولة المصدر أفضل مليون مرة من ان تلطخ سمعتك بقميص نصف ردن.

واصلت سيري وانا اسمع ايمانا اعتدنا على سماعها منذ احتلال المدينة تبدأ بالقسم باسم الله الأعظم، وليست لها حدود للنهاية كانت كل الايمان تؤكد على شيء واحد ان البضاعة لتاجر معروف.

بعد يومين رجعت الى السوق لأجد البائع نفسه قد استبدل بضاعته القديمة ببضاعة جديدة التي كانت عبارة عن حاجات بلاستيكية والاغلب انه احضرها من محل آخر، لكن ما لفت انتباهي ان صاحبنا البائع قد ارتدى قميصا نصف ردن …حينها فقط ايقنت انه قد نسي وصية والده وأصبح (شلاتي) بالكامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى