الموصل حاضر لا يحاكي التراث !

أقرأ وأسمع الكثير عن الموصل وتاريخها وما كانت عليه، وهذا منقول من التراث وهو أمر جيد، ولا اعتراض عليه، ولكني معني اليوم بالواقع الذي أعيشه وألمسه وأحياه، وهو غير ذلك المنقول، ويمكن أن يكون لتلك المقولات أثر إيجابي في حفز المجتمع، وقد يكون لها أثر سلبي على الواقع الاجتماعي؛ ما يهم اليوم هو الواقع وكيفية علاجه وليس التراث واستعراض البطولات والأمجاد فكل شيء في الموصل اليوم غير منظم! وكل عمل أيا كان يشوبه الفساد! وكل شبر من الأرض ملوث! وكل إنسان معلول! قد يكون هذا حكما قاسيا ولكن هذه هي الحقيقة فلنقبلها جميعا؛ تعال معي أخي الكريم في رحلة اجتماعية تقويمية صادقة، ودعك من المثاليات: سألت صاحب محل عن حاجة معينة! فلم ألق الرد، وكررت فيجيب شخص آخر عن سؤال كان قد اقتحم وقاطع عنوة، أقول لكاتب العرائض طلب وكالة لمحامي من كاتب العدل : فيكتب وكالة للطب العدلي ، أسأل صاحب محل عن برنامج في السوفت وير فيجيب  بعد عناء وانتظار ما عندي، من دون ان يكلف نفسه النظر وهو يلعب بالموبايل، اذهب لأقدم عريضة في سنة 2018 ( والتي انتهت صيغتها من العالم ككل )  يظهر كاتب العرائض مريضا معوقا لا يستطيع الكلام إلا بصعوبة وهو شاب لا يتجاوز العشرين من العمر ساقه القدر لهذا المكان، وأعلم انه باب رزق ولكن لا يمكن ان يكون كاتب عرائض أخرس، وهكذا التعامل مع القصاب، وبائع الخضار وغيرهم، أما البانزين والوقود فهذه قصة خبرناها منذ زمن بعيد، وما إن حدث أمر بين اثنين إلا وشمّر عن عركة وصياح وشتائم، وإذا أردت أن تسير في شارع ما؛ لأمر ما! فلا تعلم من أي الاتجاهات تأتيك الصدمات واللكمات واذا سلمت منهما فلم تسلم من طوبوغرافية الرصيف عثرات بحجر أو حفر أو بسطات الشارع، فالزبّال فاسد، ومنظف الشارع فاسد، ولا أعلم كيف يُخْدم الزبون في كافيه وهو يطلب الشاي ولا مجيب لأن العمال كلّ في موبايله مشغول؛ وعلى رأسهم صاحب الكافيه، أما إذا وقفت في الشارع بسيارتك فلا تعلم متى يرفع الرقم من قبل جهة لا تعرف من هي؛ أو ربما تقف سيارة تمنعك من الخروج فتنتظر لحينما ينهي صاحب السيارة قصته مع زبون أو حواره مع آخر،  فلا وجود ولا أثر يذكر لموقف للسيارات؛ أما النقل فتلك قصة أخرى دعك منها؛ وتحوّل معي سيدي إلى الخدمات التي ترجوها وتتمناها وتدفع مقابلها ثمنا فحدث ولا حرج! مطابخ المطاعم ومحلات اللفات ولاسيما الفلافل والشاورمة في هذا الصيف اللاهب، فيها ترى عينك ما لا يسر إذا تابعت العمل ومواده وأدواته، وأدعوك سيدي القارئ لأن تصحو صباحا وتأخذ طريقك في شوارع الموصل بدءً من مداخل المدينة وانتهاءً بشوارع الغابات والجامعة والزهور والفيصلية وغيرها؛ لتجد كمّ كبير من نفايات البشر وهم موصليون وليس من كوكب آخر ملقاة في الطرقات ( قناني ماء فارغة ، اعقاب وأوراق وجبات أكل، علب سجائر فارغة، كارتونات ومخلفات صناعية بلاستيكية   ..والقائمة تطول ……. ) عندها تقول كان الله في عون مدير البلدية، وكان يمكن ان تنتهي المشكلة الكبيرة بوضع النفايات في موضعها سلة النفايات، فقد تجد منها الكثير وغيرها قد سرق أو استخدم لأغراض أخرى؛ أما موظفو الدوائر الخدمية فقد برعوا في لصق التهم بالمحتكين معهم من الناس في الشارع على مبدأ حشر مع الناس عيد، فاذا هممت بصيانة في دارك لتجد مراقب البلدية من الصباح الباكر يمارس عمله: أنت متجاوز!  فإذا تجاهلته أصبح التجاوز مخالفة أو جنحة أو قد تتحول جريمة أنت ارتكبتها، والمحصلة هو يبحث عن رزق غير شرعي من الصباح، وبعدها يكون في مأمن، وآخر ما لاحظته: أنت متجاوز على الماء! كيف؟ لا اعلم والمقياس النظامي يعمل منذ سنة 1988 ولا يجد من يقرأه، أما والمصيبة الكبيرة إذا رفضت هويتك المدنية بحكم تقادمها أو رزقت بمولود وهكذا دواليك بالنتيجة التي نقف عندها: إن كل هذا وهو غيض من فيض يمثل معطيات مجتمع الموصل، فتخيل سيدي القارئ الموصلي مجتمعك! وكلهم موصليون إنها مشكلة كبيرة تتمثل في غياب شبه كامل للذوق العام واللياقة، فشاعت صيغ التعامل النابية والفساد والكذب ومن هنا نستنتج بأن سلوك الفرد والمجتمع دالة لعوامل كثيرة لا مجال لذكرها، فأي مجتمع مطلوب في ظل الفساد والكذب والغش وآكل أموال الناس بالباطل المهيمن على المجتمع؟  Macro Corruption…… وكيف يمكن علاجه في ظل غياب منظومتين أساسيتين للمجتمع وهما: المرور التي تضبط الشارع والصحة التي تضبط معظم الخدمات! وكيف يمكن ضبط معظم هذه الظواهر لتعيد المجتمع لسابق عهده وليفرح كتّاب التراث وتصدق مقولاتهم … وتعود النظافة والأمانة والصدق ولياقة الخطاب والتسامح  وغيرها من القيم  ….. إنها مسألة قد تطول فصبر جميل والله المستعان!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى