حريق لايمكن اخماده

ارتعب عندما رن هاتفه، فهو يدرك جيدا خطورة هذا النوع من الاتصالات. وضع أرضا زجاجة البيرة وبتثاقل رفع مؤخرته من على الحشيش ونفض ما علق بها بحركة لا إرادية، مبتعدا عن أصدقائه المتحلقين تحت شجرة يوكاليبتوس مهيبة. تهامسوا: سيواجه مشكلة عويصة.
وببطء قاتل مرت الثواني، دفقات الدم توجه لكمات متتابعة الى قلبه، وبينما الاتصال يكاد يلفظ آخر أنفاسه، مرر إصبعه على الشاشة ناقلا السهم الى العلامة الخضراء:
الو
انس ارجع الى البيت بسرعة … بسرعة، قالت والدته وهي تبكي.
بقي الهاتف ملتصقا على أذنه وهي تتلقى الصوت المتقطع المخيب للآمال. عاد الى أصدقائه عجلا، ويداه تسبحان في الهواء، انتبهوا إليه فاشرأبت أعناقهم:
ما بك؟
أخذ الزجاجة خاصته وشرب ما بقي فيها مرة واحدة: أنا ذاهب. ورحل دون أن ينظر الى وجه أي منهم، لكنهم يعرفون صديقهم جيدا، ملامح وجهه المتجهم وعقدة حاجبيه الثخينين تفوح منها رائحة حرب.
توقف بانتظار تكسي وهو ينتف لحيته. شعر أن انتظاره قد طال فالشارع أملط في هذا الوقت من الليل، إلا من أكداس نفايات تعبث القطط بها، ونسمة ريح دافئة تمشط الرصفان، ومشرد نتن اعتقد قبل 30 سنة أنه عبقري بما يكفي لتغيير العالم الى الأفضل، فعزف عن الاستحمام منذ ذلك الحين.
بعد أقل من خمس دقائق، كان أنس في تكسي تكاد تطير نحو المدينة القديمة، لم يستفسر السائق عن سبب الإلحاح لأجل الاستعجال، أدرك أن أمرا ما يحدث لهذا الشاب الذي لم يتوقف عن نتف لحيته وهز ساقه اليمنى.
قبل 50 مترا من المنزل دفع النقود وترجل بخفة، ثمة دخان يتصاعد من الداخل، وعندما إقترب شاهد الجيران متجمهرين، أحدهم اعترض طريقه وحاول أن يهدئ من روعه:
أنت عاقل لا تتهور، مهما حصل إنه والدك.
لم يكن يسمع، هناك ضجيج في رأسه جعله أصم، ركض ليكتشف ما يجري وتوقع أن والده الضابط المتقاعد من الجيش والمتعصب دينيا فيما بعد، نفّذ وعيده الذي أطلقه قبل يومين وهو يقسم بأغلظ الأيمان، ساعتها كان أنس قد وقع في كمين لوالده عند الباب، وأعترف له أنه احتسى الخمر مع أصدقائه– زجاجة بيرة واحدة فقط – ووعده ألا تتكرر.
وسط الحديقة رأى والدته تحاول إخماد الحريق الذي يلتهم العشرات من كتبه الفلسفية والتاريخية والروايات المحشوة بالكفر والإلحاد كما يرى والده، ومعها كيتار أهدته له حبيبته أيام الدراسة في كلية الفنون الجميلة.
جن جنون الأب وهو يشاهد ابنه قبل ساعة من اضرام هذا الحريق، يقف عند متجر للمشروبات الكحولية التي انتشرت في المدينة بعد تحريرها من قبضة “الدولة الاسلامية”، ولم يعترض طريقه عندما غادر حاملا كيسا اسودا رفقة عدد من أصدقائه متجهين نحو الغابات.
تسمر أنس امام النار لم يحاول إخمادها، بينما والدته تنظر اليه وهي تبكي، تعرف جيدا أن ثمة شيء يحترق داخله، فهذه أعز أشيائه التي طالما خاطر بحياته من أجل أن يبقيها بعيدا عن أعين وأيادي عناصر الحسبة.
وبحركة جنونية إلتفت أنس الى والده الذي منع بصرامة أي محاولة لإطفاء النار، وصرخ بوجهه بصوت مجلجل نفذ الى سابع جار: لم تعد مدينة الضباط ولا مدينة الأنبياء، لن نسمح لكم باختطافها مرة أخرى. العسكر والدين بلاء على هذه المدن.
زاد أنس في صراخه وهو يضرب الباب بكفيه القويتين مصدرا صوتا كأنه غارة تنذر بخطر داهم، بينما ثارت ثائرة والده وأطلق تهديدا قاتلا: سأفرغ سبع اطلاقات في رأسك يا عار، ودخل مسرعا الى غرفته من دون أن يجرؤ أحد على إيقافه، أما الأم المسكينة بدأت ترتجف وهي تمسك قدرا صغيرا مملوءً بالماء قرب النار التي تواصل الإحتراق …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى