استطلاع: نصف أطفال الموصل يعيشون في “أزمة”

تتكرس ملايين الدولارات في إعادة بناء البنية التحتية المدمرة في مدينة الموصل، ولكن ماذا عن آلاف الأطفال المحطمين نفسيا؟

رهف
الطفلة رهف، 10 سنوات، لا تستطيع معرفة أسباب الحرب التي جعلتها يتيمة، وقتلت أصدقائها وسلبتها طفولتها. لكن يمكنها أن تعبر بنظرة بريئة عن الصدمة والحزن والخسارة التي أثقلت كاهل الأطفال في مدينتها المدمرة.

تقول بعفوية : “لا أريد أن أرى حربا أخرى”.

بعد عام واحد على إستعادة القوات العراقية بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لمدينة الموصل من تنظيم “داعش”، بدأ العمل في إعادة الإعمار. أما بالنسبة للأطفال الذين نجوا من الحرب وعادوا الى الحياة بخسارة كبيرة فان الاستجابة لهم لا تزال مثيرة للسخرية.

وبينما تركز وكالات الإغاثة والحكومة العراقية على إعادة بناء المدن التي دمرتها الحرب، فإنه تم جاهل الحاجات النفسية الاجتماعية لآلاف الأطفال الذين عانوا من تجارب مؤلمة.

الجانب الايسر من الموصل الأفضل حالا بكثير، وعبر الجسر الحديدي القديم القائم على نهر دجلة تتدفق الحياة الى مشهد من ستالينغراد أو دريسدن، إنه الجانب الأيمن من المدينة حيث الدمار الهائل بسبب الحرب، بعدما جعل مقاتلو “داعش” منه معقلهم الأخير. حولت أحياء بأكملها إلى أنقاض بواسطة القنابل المتفجرة التي كانت نتيجة الغارات الجوية لقوات التحالف والمدفعية العراقية ضد التنظيم. لقد وصف المسؤولون الامريكيون الهجوم الذي استمر 9 أشهر (اكتوبر 2016-تموز2017) بأنه أكثر معارك المدن حدة منذ الحرب العالمية الثانية.

أكوام الحجارة وقضبان الحديد المتجعدة كانت في يوم من الأيام منازل وأبنية بسبب الحرب، وكل ذلك كان تحت مرأى ومسمع من المدنيين المحاصرين. من المستحيل معرفة عدد القتلى أو الجرحى بسبب قناصة “داعش” وسياراتهم المفخخة والقصف الجوي للتحالف الدولي والمدفعي للقوات العراقية. ما هو واضح بشكل جليّ هو أن العديد من الأطفال ولدوا من رحم الدمار بفعل العمليات العسكرية، والسنوات الثلاث السابقة تحت حكم داعش، وتحملوا كدمات نفسية عميقة.

طفلة تركت المدرسة لكي لا تتعلم القتل!

إلتقيت عائشة، 12 عاما، في مخيم حمام العليل (جنوب الموصل) للنازحين الذين فروا من الموصل، رأت والدتها أمام عينيها ميتة نتيجة شظايا الانفجار، انغّرست شظية في صدرها، وترعاها الآن عمتها التي فقدت ابنتها وشقيقين ووالدها. تنتحب العمة باكية عندما تصف كفاحها من اجل التأقلم مع الوضع الجديد.

لا تذهب عائشة إلى المدرسة حالها حال الكثير من الأطفال في الساحل الايسر من مدينة الموصل الذين لا يزالون يعيشون في مخيمات النازحين، مما يحرمها من فرصة استعادة الشعور بالوضع الطبيعي.

وعودة إلى الموصل، تركت دينا -13 عاماً – المدرسة حالها حال معظم صديقاتها،على مدى 3 سنوات تحت حكم تنظيم “داعش”، “لم أرد أن أتعلم القتل والتفجيرات الانتحارية”، تقول.

في نهاية المطاف هربت دينا وعائلتها من الموصل. ولكن ليس قبل رؤية آثار غارة جوية للتحالف الدولي خلفت أكثر من 20 جثة ممزقة منتشرة في أحد الشوارع، ولا تزال تعيش في كوابيس.

نتائج إستطلاع مزعجة

لا يمكن تحديد تأثير مثل هكذا تجارب مؤلمة، ولكن في استطلاع جديد أجرته منظمة “أنقذوا الأطفال”، تبين أن نصف الأطفال تقريباً يشعرون بالحزن، و9٪ فقط ممن تمت مقابلتهم قادرون على الحديث عن السعادة في حياتهم، بينما 25٪ من المراهقين يعدون المدارس مكانًا آمنًا، وليس ذلك غريبا إذ أن الكثير من مدارس المدينة قد دمرت.

وكانت إحدى أكثر النتائج مثيرة للانزعاج هي الدرجة التي يكافح بها الأطفال للتأقلم مع الوضع. أكد معظم الأطفال بأنهم غير قادرين على التحدث إلى مقدمي الرعاية عن مشاكلهم، لأنهم يعرفون أن آباءهم أو أقاربهم لا يهتمون بها. تقول يسرا السماك، التي ساهمت في اعداد التقرير: “هؤلاء الأطفال معرضون لخطر حقيقي يتمثل في مشاكل الصحة النفسية طويلة الأمد”.

كل ذلك يثير بعض الأسئلة الأساسية عن كيف جدوى إعادة الإعمار. تعهد المانحون الدوليون في شباط / فبرايرالماضي (مؤتمر الكويت)، بتقديم مساعدات قيمتها 30 مليار دولار على شكل معونات وضمانات قروض لإعادة بناء الموصل وغيرها من المدن. المبلغ كله تقريبا مخصص لإعادة بناء الطرق والمباني، ولم يتم التعهُّد بأي شيء جوهري لما يمكن اعتباره أعظم تحدٍ لإعادة الإعمار على الإطلاق المتمثل في: مساعدة الأطفال الذين أصيبوا بصدمات نفسية بسبب الحرب والتعامل مع تجاربهم وإعادة بناء حياتهم.

قدمت الوكالات الإنسانية المساعدات المنقذة للحياة والمأوى والصحة والتعليم. ومع ذلك ، فهناك أيضًا أرقام هامشية للدعم النفسي-الاجتماعي، تشكل نحو 1 مليون دولار من المساعدات التي تم تقديمها في عام 2017. لا توجد حاليًا أي تقديرات لإحتياجات الدعم النفسي-الاجتماعي. ومما يزيد الطين بلة، أن المساعدات الإنسانية لهذا الأمر مجزأة وقصيرة الأجل، ولا يُمكن التنبؤ بها.

وتعترف الحكومة العراقية بحجم المشكلة، لكن كما هو الحال في مناطق أخرى، فإن التقييم يتأثر بقدرة المؤسسات الموجودة.

ما العمل؟

يجب أن تعمل المنظمات الإنسانية، بما في ذلك منظمة إنقاذ الطفولة، على إجراء تقييمات نفسية اجتماعية هيكلية في أماكن مثل الساحل الايسر والمناطق الأخرى التي شهدت الحرب. يعد تحديد حجم المشكلة، كخطوة أولى لتقدير المتطلبات المالية والمؤسسية للتعامل معها – ويمكن لوكالات مثل اليونيسيف والبنك الدولي أن تقود العمل في هذا المجال عبر العمل مع وزارات الحكومة.

بطبيعة الحال، لن تكون المعونة وحدها كافية لمواجهة الأزمة التي تواجه أطفال العراق، ولكن يمكن للتدفق الموثوق للمساعدات ان يسهم تمويل العاملين المدربين في مجال الرعاية والمعلمين وأنظمة الدعم، وأن يتم تقديمها من خلال المدارس ومراكز التعليم المبكر والرعاية المنزلية.

إن تخصيص (150 ) مليون دولار فقط من مبلغ (30) مليار دولار الذي تم التعهد به للعراق لدعم التعليم الاجتماعي-الاجتماعي قليل جدا، ولا يناسب حجم الكارثة.

قصة رهف هي صورة مأساوية مصغرة لما يحدث لأطفال الصراعات من العراق وسوريا إلى اليمن وميانمار. لا يمكننا إزالة الكدمات النفسية التي سيحملها هؤلاء الأطفال في حياتهم المستقبلية، لكن يمكننا البدء في إدراك أن هناك ما هو أكثر أهمية في التعافي بعد الحرب من إستعادة الجسور والطرق والمباني.

*المصدر: صحيفة الغارديان.

https://www.theguardian.com/commentisfree/2018/aug/03/iraq-mosul-children-war-zone-trauma-mental-health-aid

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى