رحّالة السّلام

محمود جمعة

لقد مرّت الموصلُ بجُملةٍ من الأحداث الكبيرة، منذ 2003 حتى العاشر من حزيران المشؤوم 2014، يوم بيعت لتنظيم داعش، من جملة هذه الأحداث ما هو سياسيّ، وحزبيّ أصوليّ، واجتماعيّ وتاريخيّ، كانت من نتائجه أنْ زُعزِعت القناعات والمفاهيم والقيم والمبادئ؛ بفعل ما مُورِس على الموصل وسكّانها، من ظلمٍ وقسوةٍ وتهميشٍ، تبنّته الحكومةُ العراقيّة ومؤسّساتُها العسكريّة والسّياسيّة كما هو شأنُ العراق جميعاً، لكنّ للموصل في هذا (نصيبَ الأسد)، فجرى ما جرى، يومَ جرى ماءُ الأصوليّين من تحتِ أرجُل (المَوَاصلِة)، مستغلّين ما يعانونه من تشتّت وتفكّكٍ وضغطٍ مِن جارٍ مُحارب، وشريكٍ في الدّار مشاغب، حتى خلقوا قناعاتٍ وأفهاماً طارئةً على المجتمع (الموصليّ)، كنبذهم للآخرِ المختلف دينيّاً، وقوميّاً، ومذهبيّاً، ولأنّ الدّينَ أكبرُ مؤثّر طبيعيّ في البشَريّة؛ انصاعَ الكثيرُ وراء هذه المفاهيم، وصارت (الموصلُ) رقعةً جغرافيّة تطردُ الآخر المختلف، علماً أنّ الغالبيّة مِن السكّان (الموصليّ) مغلوبٌ على أمرِها، لأنّها لمْ تكنْ يوماً تمتلك قراراً، أو تصنعُه ربّما، بعد أنْ تسيّد مشهدَها الحاكميّ أناسٌ فاسدون بالمعنى المعجميّ لمفردة الفساد، فاسدونَ عسكريّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً وأكاديميّاً.

 

ويعلمُ الجميعُ ما صارتْ إليه الحياة الاجتماعيّة في الموصل قبل أحداث حزيران وبعده، حيث تعرّضت الموصلُ لأكبرِ هزّةٍ في تاريخها الحديث، حيث القتلى في الشّوارع، والسكّان بين نازحٍ ومُهجّرٍ ومُهاجرٍ ومفقودٍ، حتّى جاءَ يومُ التّحرير بالمعنى المجازيّ، فهدّم ما أبقاه داعش سالماً، لذا بسبب هذه الهزّة الكبيرة، ظهرتْ بوادر كثيرة وكبيرة، تنبئُ بصحوةٍ اجتماعيّة وإنْ كانت متواضعةً، إلّا أنّ فيها خيراً كثيراً، عبر منظّمات وتجمّعات شبابيّة، بين طلّابٍ جامعيّين وفنّانين ومصوّرين وصحفيّين، تدعو إلى طرحِ فكرةِ أنْ يعيش الانسانُ مسالماً، وأنْ لا ضرورةَ لكي تثبتَ وجودك للشّر، أنْ تعلنَ عن حضوركَ ووجودك وحضارتك، يتطلّب منك أنْ تكونَ محصّناً بالشّرف بمفهومه العامّ، وبالأخلاق والمعرفة والوعي، حتى عُقدت الكثيرُ من المؤتمرات والنّدوات في مدينة (الموصل)، داعيةً إلى التّعايش السّلميّ، مِنها ما كان داخل جامعة الموصل، ومنها ما كان يُعقد في المقاهي والملتقيات الثّقافيّة في كافة أرجاء المدينة، فكانَ مِن محاسن الموافقات والتّقدير أنْ رافقتُ رحّالة السّلام، (الرّحلة التي نظّمتْها منظمةُ الشّرق الشبابيّ – فرع العراق) في رحلةٍ ميدانيّةٍ إلى (دير مار بهنام)، الكائن في ناحية النّمرود، ثمّ العودة إلى (جامع محمّد الأمين) في مركز مدينة الموصل، حيث اجتمع في الرّحلة عددٌ من طلّاب جامعة الموصل وأساتذتها، مع فنّانين وموسيقيّين ومصوّرين وكتّابٍ وصحفيّين وشعراءَ ومختصّين في الآثار والتّاريخ القديم.

 

انطلقت الرّحلةُ صباحاً، في الثّامن عشر من آب – 2018 إلى النّمرود، حيث (دير مار بهنام)، الذي يعود تاريخُ بنائه إلى القرن الرابع الميلادي، التقينا هناك بالأب (يوسف عيسو)، قسّ الدّير، حيّانا بحرارةٍ، واستقبلنا بمحبّةٍ، حدّثنا بأحاديثَ موجزةٍ، مفادُها أنّ الانسانَ بإنسانيّته وأخلاقه وحبّه لإخوته من بني البشر، ثمّ رافقنا إلى تفاصيل الدّير وأروقته يشرحُ لناء عن تاريخ بنائه والأحداث التي رافقته زمنيّاً، حيث جرى حوارٌ خاصٌ عن تاريخ الدّير وسبب تسميته بين الأب يوسف وبين أ.د. عامر الجميلي، التّدريسيّ في قسم الحضارة – كليّة الآثار/ جامعة الموصل، ثمّ وثّقنا رسائلَنا في السّلام والمحبّة بقصّاصاتٍ ورقيّةٍ، علّقناها على لوحٍ خشبيّ حملناهُ معنا من الموصل من أجل ذلك، ثمّ تصافحنا على أملِ لقاءٍ آخر في الموصل، بعد ذلك توجّهت القافلةُ عائدةً إلى مدينة الموصل، حيث مسجد (محمّد الأمين) في أيسر الموصل – حيّ الزّهور، التقينا بإمامهِ الدكّتور (محمّد حازم الطّائي)، رحّب بنا أيضاً وبالمبادرة، وقد دخلنا الجامع، رفقة أصدقائنا من المسيحيّين والأيزيديّين والشّبك والسّريان، جلسنا في مصلّاه الواسع، افتتح الجلسةَ رئيس المنظّمة الصّديقُ (محمود النّجار) برسائل المنظّمة وأهدافها من هذه الرّحلة، ثمّ أعقبها إمامُ المسجد بكلمته الموجزة عن تعدّد الأديان وحريّة الممارساتِ والطّقوس والعباداتِ والشّعائر، وقد كانَ منفتحاً في الحوار ذا ثقافةٍ جيّدة، أكّد عبر حوارهِ على أنْ يكون الانتماءُ للعراق، وفي أثناء ذلك أخرجَ هاتفَه من جيبِه واتّصل بصديقٍ له، من سكّان مدينة (سنوني) التّابعة لقضاء سنجار، التي تسكنُها الغالبيّةُ الأيزيديّة، حدّثه عن المبادرةِ، فرِح الرّجلُ، ووجّه إلينا أيضاً عبر الاتّصال هذا رسائلَ في المحبّة بين الأديان والقوميّات، ثمّ تتابعتْ مداخلاتُ الأصدقاء والصّديقات، معبّرين عن ضرورةِ التّعايش سلميّاً وفتح السّبل إلى ذلك، مع إزالة الاشكالاتِ والمعوقاتِ التي افترضتْها السّياسةُ والأحداثُ الأخيرة في الموصل، ثمّ بعد ذلك توجّهت القافلة إلى (الغابات)،  لتختمَ رحلتَها بحفلٍ موسيقيٍّ، كانَ رائدهَ الفنّان الصديق (سمير الغانم)، تغنّينا بحبّ العراقِ والأصدقاء وقيم الانسانيّة: (الدّنيا حلوه .. النّاس حلوه .. والوطن باسمْ سعيدْ، عاشگين احنا وهُوَينا .. ومثلما ردينا لگينا..).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى