أدعو الى فتح بارات في الموصل !

حقا أعني ما أقول، إنني أدعو الى فتح بارات في الموصل.
أوووووه، فغر فمه وجحظت عيناه حتى كادتا تخرجان من محجريهما من فرط الدهشة، هكذا فعل صديقي المتدين عندما قرأ لي هذه الدعوة، ولا شك عندي أن عددا كبيرا جدا من أبناء المدينة سيتقمص الدهشة نفسها إذا ما سمع بهذه الدعوة.

لماذا؟
لأن المجتمع في الموصل معتاد على التخفي وراء الأسوار، بدءا بالاسوار التي ضُربِتْ حول المدينة في فترات تاريخية متلاحقة منذ العهد الإسلامي المبكر في القرن الثامن الإسلامي (أول من خط سور الموصل الوالي سعيد بن عبد الملك 65- 89هـ / 685 – 708م)، في ذلك العهد كان ضرب الأسوار حول المدن والأمصار طبيعا، لكن الموصل من المدن التي تمسكت حتى النفس الأخير بالسور فوسّعه ولاتها كذا مرة.

“أسوار من حجر وعيب وحرام”

وليس التخفي وراء الجدران العالية فقط، وإنما وراء العيب المجتمعي والحرام الديني، التي ترفع شعار مكافحة الإجهار بالـ”معصية”، وقد يفهم ذلك على أنه ظهور بوجهين أمام الناس، وهذا بحد ذاته عيب كبير وأزدواجية.
قدر تعلق الأمر بالدعوة الى فتح بارات في الموصل، فإنني فعلا أقصد ذلك، إذ ليست هناك قوة في الكون قادرة على أن توقف شرب الخمر، حتى داعش المجرم لم يوقف ذلك، من الطرائف أنه عندما كان الطريق ما زال سالكا بين الموصل وبغداد في الأشهر الأولى من سيطرة التنظيم على الموصل، كان بعض سائقي التكسي ينقلون المشروبات الكحولية الى المدينة بطرق مبتكرة، أحدهم وربما الكثير منهم، كان يفرغ خزانة ماء ماسحات زجاج السيارة ويسكب مكانه ويسكي أو عرق، وما إن يصل الى المنزل يفرغه في علب بلاستيكية ويبيعه!

ومثلما لم تستطع الدولة الإسلامية منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن تضع حدا لذلك، بالتالي فإن التسليم بالأمر الواقع أمر لا بد منه، علينا تقبل شارب الخمر ونعتبر ما يقوم به حرية شخصية طالما أنه إنسان بالغ ولا يؤذي أحدا. وبالتأكيد لا بد من تصحيح النظرة الى المطرب والنحات والموسيقي والرسام، والتوقف عن إعتبارهم (كاولية ودنبكجية ومزامير الشيطان ووو).

ما جرى بعد زوال داعش عسكريا، رَفع الغطاء عن الحريات المكبوتة، ليس فقط طوال 3 سنوات (عمر دولة الخلافة في الموصل) وإنما منذ بدء الحملة الإيمانية التي طبقها النظام السابق في العراق مطلع التسعينات من القرن الماضي.

ماذا نحتاج الآن؟

ممارسات الحرية الشخصية أمر طبيعي وهكذا يجب أن تكون عليه الحياة، وهو حق مكفول وفق الدستور العراقي لسنة 2005، لكن نحتاج فقط الى تنظيم ممارستها لكي لا تتحول الى فوضى.

نعم، ظاهرة شرب الخمر على قارعة الطريق والأماكن العامة لا شك أنها حالة غير صحية، والمطلوب أن تتولى السلطات المحلية المتمثلة بقائم مقامية الموصل ومحافظة نينوى وقوات الشرطة المحلية تنظيم هذه الجزئية، وذلك بتسهيل فتح بارات “صحية”، بمعنى منظمة ومسيطر عليها أمنيا وتخضع للشروط الصحية التي تحددها دائرة صحة نينوى، ثم يصار الى إصدار تعليمات الى متاجر بيع الكحول بتحديد السن القانوني للأشخاص المسموح ببيع الخمر لهم (أكبر من 18 سنة عادة)، ومحاسبة كل من يحتسي الخمر في الأماكن العامة أو على قارعة الطريق.

“التدين المتشدد قاد المجتمع الى الخسفة”

اعتقد أنه يكفينا خوفا من الآخر، ما أقوله هو تنظيم للحريات لكي لا يزيد إنتشار بقعة الفوضى في هذه المدينة، وعندها نصل الى مرحلة الصدام بين الفئتين “المتدين والمدني”.

أما الحملة التي يشنها المتدينون عموما تحت عنوان “غلق محلات الخمور”، فهي لا تعدو كونها محاولة للعودة الى واجهة المشهد بعد الفشل الكبير في قيادة المجتمع، في الحقيقة إن التدين المتشدد قاد المجتمع الى الخسفة.

يكفيك عزيزي المتدين التبشير بالدين، بعد كل هذه القرون وسهولة الحصول على المعلومة تعلّم الناس ما الحلال وما الحرام في ميزان الدين الإسلامي، وعليك أن تتقبل وجود نسبة من المجتمع غير متدينة، ولا تحاول أن تجعل الآخرين نسخا مشابهة لك، لأنك ستفشل، حتى الأنبياء لم يحققوا ذلك. “لكم دينكم ولي دين” فليكن هذا شعار فعّال وليس للتُقية فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى