الاغتيال المعنوي

الاغتيال مصطلح يستعمل لوصف عملية قتل متعمدة تستهدف شخصية ما لأهداف سياسية او اقتصادية او عقائدية او انتقامية، او اغتيال الأبرياء لترهيب الآخرين، وقد يخطط وينفذ عملية الاغتيال فرد او منظمة او حكومة، وقد يكون الاغتيال لفرد او جماعة. ويستعمل مصطلح الاغتيال احيانا في اطر أخرى لوصف حالة من الظلم والتعسف والقهر التي تمارس بشكل متعمد ومستمر بهدف تدمير مصداقية وسمعة شخص أو مؤسسة أو منظمة أو مجموعة اجتماعية أو أمة، وهذا ما يطلق عليه الاغتيال المعنوي. وينطوي هذا النوع من الاغتيال على المبالغة و تضليل الحقائق والتلاعب بها لتقديم صورة غير صحيحة للشخص المستهدف او الجماعة المستهدفه، وهو من اكبر وسائل تزييف الوعي، ولا يختلف الاغتيال المعنوي عن التصفية الجسدية بل قد يكون أكثر ألماً وضرراً ذلك انه يستهدف وعي الجماعة ووجدانها تجاه الضحية.
ويستخدم في الاغتيال المعنوي مزيج من الطرق المباشرة والخفية لتحقيق الأهداف، مثل تلفيق الاتهامات الكاذبة، وزرع الشائعات وتعزيزها، والتلاعب بالمعلومات واختلاق الأحداث، وتأليف النكات وقذف الناس بالباطل والافتراء عليهم والتدليس فى أقوالهم، وبث أخبار كاذبة عنهم، وتحريف ما يقولون، وقد يؤسس الاغتيال المعنوي للاغتيال الجسدي برضى وصمت الجميع كأن يكفر المخالف ويتم شحن الناس ضده عبر التهييج الذى يرتدى ثوبا دينيا أو وطنيا مزيفا، ليطعن فى هذا الشخص، ويزيد من خطورته المفترضة، ويقلل من قدره عند الناس.
وجميع صور الاغتيال المعنوي تؤكد على المبالغة والالحاح المستمر على تشويه الضحية وتحطيم معنوياتها وغلق كل أبواب الدفاع عن نفسها، والتعتيم على جوانبها الايجابية. وتعد المقرات الحزبية ذات التوجهات الجهوية والعنصرية والدينية المتطرفة ومن خلال مراكزها الاعلامية والثقافية ونفوذها السياسي والاقتصادي والفكري على وسائل الإعلام والاتصال من أهم أدوات الاغتيال المعنوي ومنبع تزييف وعي الجماهير وإظهار الخصم بصورة العدو الحقيقي: للدين او المذهب او المجتمع او لحركات الإصلاح، ومن ثم اغتياله معنويا بعيون الجماهير، وغالباً ما تسخر في اعمال الاغتيال المعنوي ذمم مجموعة من الإعلاميين ذوي السمعة، او مثقف مرتزق يمتلك قاعدة ثقافية ولغوية وقدرة على صياغة أحداث هدفها تخوين الآخر، وواقع الامر هنا ان الاعلامي او المثقف في هذا المجال لايعدو عن كونه قاتل مأجور محترف في الاغتيال المعنوي.
ولا تقتصر أساليب الاغتيال المعنوي على مقالات الكتاب او قصائد شعراء مرتزقة، او حوارات ومناقشات عبر وسائل الاعلام، بل قد تنتج عبر مؤسسات متخصصة افلام تسمى ( وثائقية) هدفها تحريف حقائق ووقائع التاريخ، او تعد برامج ساخرة تستهوي شريحة واسعة من الناس هدفها الانتقاص من شأن الآخر وتخوينه او تلفيق وقائع تدينه اخلاقياً او تربطه بوصف العميل للاجنبي او الفاسد إداريا او الخارج عن ملة الإيمان او المذهب، سواء اكان هذا الاخر فرد او جماعة. وتستغل عمليات الاغتيال المعنوي الجوانب ذات الصبغة العاطفية والروحية التي تستثير الآخرين وتؤجج غضبهم وكراهيتهم للمستهدف من خلال إثارة موضوعات دينية وتراثية ترتبط بأعراف وتقاليد وطقوس وموروث مجتمعي فضلاً عن معانات المرضى او ذوي الاحتياجات الخاصة او المرأة او مظلومية جماعة دينية او مذهبية او عرقية معينة. وفي هذا السياق تعمل الجهات المنفذة لعمليات الاغتيال المعنوي الى سبر أغوار التاريخ ونبشه للبحث عن أحداث قديمة، واعمال تخص طائفة او شخص لاثارتها بقصد التخوين، او بهدف الحصول على حدث او موقف لتوليفه لتأكيد طروحات معينة
وقد انتشرت في العراق عمليات الاغتيال المعنوي وبخاصة بعد تعالي أصوات رفض حكم الاحزاب الاسلامية او العنصرية وظهور شعارات تنادي بالحكم المدني وثقافة تقبل الاخر والتسامح الإنساني. وشملت عمليات الاغتيال المعنوي العديد من الافراد والرموز والجماعات بل احداث تاريخية محددة، وهذه العمليات تعني بتزوير التاريخ، والأفعال وإلصاق تهم أو صفات تحط من قدر الشخص أو الجماعة المستهدفة، والهدف في النهاية هو كسر الهيبة وإضعاف الثقة وتقليل القيمة ومحو التأثير والانتماء للمراد اغتياله. ولعل من الأساليب الخطرة التي تعتمد في الاغتيال المعنوي وبخاصة للشباب والمتظاهرين، هي زجهم في اعمال منظمات مجتمع مدني مجهولة النسب والأهداف، يتم الإفصاح عنها وفضحها عندما يحين الوقت للاغتيال المعنوي لشريحة معينة، او قد يصار الى استضافتهم بكثافة في وسائل الإعلام حيث تنصب لهم فخاخ باحتراف يتم استدراجهم اليها من خلال الحوار بموضوعات تمس مقدسات المجتمع او أعرافه وقيمه او طبيعة التعامل السلوكي اليومي، او حقوق المرأة او تناقش مفاهيم مثل قداسة النصوص وتأويل القداسة، او أحداث وشخصيات تاريخية، او مفاهيم مثل التعايش السلمي في المجتمع وعلاقته بمفهوم الوطن والدين او المذهب وعادة مايعد لهذه اللقاءات مسبقاً من قبل الجهة الاعلامية، وتنفذ مع الضحية دون إعلامه بالموعد للاستعداد لها بحيث يواجه البعض أسئلة كبيرة وحرجة قد تظهره الإجابات عنها بصورة القاصر في الثقافة، او المتهور او الذي لايحترم القيم والعادات والتقاليد وقد يتهم بعد ذلك بالإلحاد او اللادينية او الانحلال الفكري والأخلاقي وربما تلصق به تهمة الارتباط بأجهزة مخابرات دولية.
من جانب اخر قد تعمد منظمات إرهابية او جهات سياسية لديها أهداف معينة الى استغلال أخطاء الحكومة في اجراءات معينة منها اشراك الجيش او الشرطة في قمع المظاهرات ومواجهة الشعب الذي يسعى للاصلاح وبخاصة عمليات القمع التي وصلت الى ارتكاب جريمة قتل متظاهر، هنا يكون من السهل جداً ممارسة عملية الاغتيال المعنوي للعناصر الامنية وتشويهها وكسر معنويات أفرادها وتحريض الناس للتطاول عليها مما يدفع البعض للاحجام عن واجباته في الحفاظ على أملاك الدولة ومؤسساتها او يقف متفرجاً حيال ما يحدث
وفي النتيجة يتحقق سقوط كافة الرموز الفردية والجماعية وفقدان الثقة بين الجميع وفقدان الأمل في الإصلاح، وتكون الدولة وكذلك التوجهات المعارضة او الإصلاحية او قيادات التظاهرات الشعبية المنادية بالإصلاح وتغيير الأنظمة فاقدة لبوصلات التوجيه في المجتمع
ان الإصرار على المبادئ والإصرار على التغيير والإصلاح من خلال التظاهر والاعتصام والتثقيف للتغيير من أكثر الأمور التي تفكك وتكشف أساليب الاغتيال المعنوي والجهات المخططة له فتضع الجميع أمام مصداقية حسن النوايا و التوجهات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى