المسلمون وموروث العقل المثير للجدل

العقل الذي كرِّم وأُثني عليه، أو الذي على العكس، اتُّهم بأنّه خطر على الإيمان، ما انفكّ يُسائل الإسلام، وفي رأي الفيلسوفة المتخصصة في الإسلام، رازيكا أدناني؛ هذا الانسداد هو الذي فتح الباب أمام التعصّب.

رزيقة عدناني (Razika Adnani)؛ كاتبة وفيلسوفة، متخصصة في الفكر الإسلامي، وهي عضو في مجلس التوجيه لمؤسسة الإسلام في فرنسا، آخر مؤلفاتها “الإسلام: ما المشكلة؟ تحديات الإصلاح”، (دار نشر(UPblisher)، 2017).

بالنسبة للمعتزلة تُعدّ النصوص المقدسة مصدراً للمعرفة لكن يجب على المسلمين أيضاً استخدام ذكائهم كمصدر ثانٍ للمعرفة

لعلّ مسألة العلاقات بين العقل والدين، تمثل واحدة من أكثر القضايا التي انشغل بها المسلمون، لكن قبل معالجة هذه المسألة؛ من الضروري تحديد ما هو المقصود بــ “العقل”، هذا المصطلح الذي يستخدم بدلالات متعددة:

الدلالة الأولى؛ تشير إلى ما يتعلق بالأخلاق والحسّ السليم؛ المَلَكلة التي تميّز الخير عن الشرّ، واللائق عن غير اللائق، وفق معايير الأخلاق وقواعد المجتمع. إنه العقل بمعنى الحكمة، هكذا يُفهم العقل عند الأغلبية، في كثير من الأحيان، لكن ليس هذا “العقل” هو المقصود في هذا المقام؛ لأنّ العقل بمعناه الأخلاقي لا يشكّل مشكلة في الدين، أو في أيّ نظام أخلاقي آخر، لأنّ كلّ دين، بحسب أتباعه، هو حكمة.

العقل؛ هذا الذي يثير إشكالية في الدين، هو أيضاً مَلَكةُ تمييز، فهو يميّز الحقّ عن الخطأ، بالاستناد إلى معايير المنطق والعقلانية، وليس إلى مراجع متصلة بالأخلاق والحسّ السليم، إنه العقل بمعناه العلمي والمعرفي، ودورُه هو أن يتيح للفكر الانتقال من مرحلة من مراحل تفكيره إلى مرحلة أخرى، في تسلسل مترابط، وبالتالي؛ فإنّ العقل يسهر على الأداء السليم لنشاط الفكر؛ أي التأمل والتبصر، ووفق هذا التعريف؛ فإنّ العقل (الإدراك) ملَكَة متميزة عن الفكر، لكنّه لا يُعبّر عن نفسه إلا من خلاله، في المقابل؛ يمكن للفكر أن يؤدي نشاطه في التأمل دون الرجوع إلى العقل، فكلّ فِكر ليس عقلاً.

ومع ذلك؛ يمكن للعقل أن يختلط مع الفكر، عندما يكون هذا الفكر عقلانياً، وهكذا نستخدم مصطلح “عقل” لتسمية الفكر العقلاني.

المعتزلة أثّروا في الفكر الإسلامي ما بين تاريخ وفاة النبي محمّد ووفاة ابن رشد

المعتزلة: تيار عقلاني في الإسلام

دخلت مسألة العقل في الفكر الإسلامي في القرن الثامن الميلادي، ومن بين أولئك الذين لجؤوا إلى قواعده وتبنّوها، هناك الحنفية، أتباع أوّل مدرسة قانونية في الإسلام، وهي المدرسة الحنفية؛ هؤلاء مارسوا التفكير في المجال القانوني، كما أنّ التيار العقلاني في الحضارة الإسلامية حمله أيضاً الفلاسفة، وكلّهم انشغلوا بمسألة التوفيق بين الإيمان والعقل.

اقرأ أيضاً: المعتزلة قادوا ثورة العقل لتعرية ظلم السياسة ومفاسدها

إلا أنّ أتباع المعتزلة ظلوا يمثلون تيار العقلانية الإسلامية؛ فقد أثّروا في الفكر الإسلامي في الفترة الأولى؛ أي ما بين تاريخ وفاة النبي محمّد، صلّى الله عليه وسلّم، عام 632، ووفاة ابن رشد، عام 1198. لقد انخرط المعتزلة في المناقشات المعرفية المتعلقة بمسألة مصدر المعرفة، وبالنسبة إلى المعتزلة؛ تُعدّ النصوص المقدسة بالتأكيد مصدراً للمعرفة، لكن يجب على المسلمين أيضاً استخدام ذكائهم وقدرتهم على التفكير والتأمل، كمصدر ثانٍ للمعرفة، فإذا كانت المعرفة قد أوحي بها ونقلها، فلا يمكن أن تكون هذا فقط؛ بل يجب أيضاً بناؤها.

أصالة المعتزلة: حسن التفكير

تأتي أصالة المعتزلة من كونهم أدخلوا في النقاش المعرفي، في قلب الفكر الإسلامي، عنصراً جديداً: العقل، بمعناه الأرسطي.

بعبارة أخرى، كملَكَة (قدرة) عقلانية، تتمثل وظيفتها في السهر والحرص على ألّا يخطئ الفكر في التدبير، وهم يبرّرون موقفهم بالقول إنه لا يكفي التفكير وحده، بل يجب أيضاً حسن التفكير؛ أي التفكير بطريقة صحيحة وخالية من التناقضات.

تأثّر الحنفية بالمعتزلة

اقتناعاً منهم بأنّ الدين لا يمكن تدبّره إلا من خلال التفكير العقلاني، فقد ناشد المعتزلة باستخدام العقل، في هذا الموقف لم يكتفوا بالنظرية؛ بل مارسوا التفكير في عملهم، سواء في المجال التفسيري، أو القانوني، أو اللاهوتي، ووفق ابن خلدون؛ فإنّ الحنفية الذين مارسوا التفكير في المجال القانوني، تأثروا كثيراً بالمعتزلة.

المعتزلة وخصومهم

من الواضح أنّ معارضي المعتزلة كانوا كثراً، ومن بين الأكثر شراسة “الحرفيون”؛ وهو مصطلح يشير إلى أتباع جميع المدارس التي تدعو إلى التفسير الحرفي، يستند خطابُ هؤلاء الحرفيين إلى فكرة أنّ الوحي هو فقط مصدر المعرفة، وأنّ دور الفكر هو نقل الحقيقة كما أوحي بها عليه، أما بالنسبة إلى العقل وقواعده؛ فقد كانوا يرفضون هذا وهذه، ولم يروا أيّ معايير أخرى للحقيقة سوى المعنى الظاهر للنصوص، بما يسمح للفكر التمييز بين الصواب والخطأ.

الحَرفيون يرفضون الفكر والعقل

الاعتماد على قواعد العقل كمعايير للحقيقة، كان، بحسب رأي الحَرفيين، أكثر خطورة على الدين من التفكير نفسه؛ لقد اتهموا العقل بكونه تهديداً للدين، وكانت حجتهم أنّ العقل هو طريقة مخصصة للفلسفة وليس للدين (الفلسفة هي الأخرى اتُهمت أيضاً بأنّها غريبة عن الإسلام) ولوضع حدّ لنشاط الفكر، الذي يُعدّ بمثابة تدخل بشري في المعرفة الإلهية، وضَع الحَرفيون مبدأين أساسيين؛ الأول لمواجهة التفكير الإبداعي: كل ابتكار ضلال، والثاني لمواجهة الفكر العقلاني: الدين مسألة قلب وليس مسألة عقل.

الصوفيون وضعوا نظرية معرفية تستند إلى فكرة أنّ الحقيقة أوحي بها

المتصوفة خصوم المعتزلة

الصوفيون هم أيضاً وضعوا نظرية معرفية تستند إلى فكرة أنّ الحقيقة قد كُشِفت (أوحي بها)، ورُفع النقاب عنها، وبالتالي؛ فهي ليست من مجال الفكر، ولا من مجال العقل؛ لأنّ الحقيقة بمجرد الكشف عنها (بالوحي) لا تحتاج إلى ما يثبتها، بل يتم التلذّذ بها، وهذا ما يضع الصوفيين على جانب خصوم المعتزلة.

الإمامة الشيعية

نظرية الإمامة الشيعية تندرج في الموقف المعرفي نفسه الذي يميز النظرية الصوفية، نظراً إلى أنّها ترى أيضاً أنّ الحقيقة قد تمّ الوحي بها وإلهامها من قبل الإمام؛ لذلك فهي لا صلة لها بملكات الإنسان العقلية والفكرية.

هزيمة العقلانية الإسلامية

كانت نهاية القرن الثاني عشر بمثابة علامة على هزيمة العقلانية الإسلامية واختفاء المعتزلة؛ هزيمة العقل هذه تندرج في هزيمة الفكر العقلاني والإبداعي، لأنّ الفكر السحري، والفكر الذي كان يكتفي بتقليد معرفة القدماء وتبريره، على العكس من ذلك، استمرّا في التعبير عن نفسيهما.

العقل في الفكر الإسلامي المعاصر

كان لا بدّ من انتظار القرن التاسع عشر حتى تنشأ مسألة العقل مرة أخرى في الفكر الإسلامي؛ التواصل مع الحضارة الغربية جعل المسلمين يعون تخلفهم، مقارنة بالغرب المتقدم، وبعض المفكرين، معظمهم مصريون ولبنانيون، درسوا في فرنسا، وتأثروا بالروح الديكارتية، ومبدأ حرية التعبير، بدؤوا يفهمون أنّه إذا أراد المسلمون اللحاق بالركب، فإنّ عليهم تحرير الفكر والذكاء، وتشجيع العقل.

والحال أنّ المتدينين أنفسهم لم يكونوا غير مبالين بمسألة التأخير هذه؛ ففي خطابهم الديني لوحظ أنّ هناك أيضاً تغييراً في موقفهم تجاه العقل.

منذ تلك اللحظة؛ لم يخلُ عملٌ لمؤلف مسلم من إثارة مسألة العقل والثناء عليه، وبعد ذلك، نشأ شكل من أشكال التوافق العام، القائم على فكرة أنّ الإسلام هو دين العقل، وأن ممارسة التفكير المنطقي أمرٌ إلهي، وأنّه لا يوجد تعارض بين العقل والإسلام.

نظرية الإمامة الشيعية تندرج في الموقف المعرفي نفسه الذي يميز النظرية الصوفية

قيود جديدة

ومع ذلك؛ فإنّ هذا الخطاب ما لبث أن أضاف أنّ العقل يجب ألا يتجاوز حدوداً معيّنة.

وهكذا؛ فإنّ هذا الخطاب الذي أطرى العقل، سرعان ما انتهى بشكل منهجي بمصطلحات تقييدية، مثل: باستثناء، بشرط، …إلخ، فأياً كانت الدعوة إلى التفكير العقلاني، والنقد العقلاني، فإنّ الإطار الذي يحدّ من هذه الأنشطة الفكرية ظلّ نافذاً باستمرار، وقليلون جداً الذين استنكروا الحدود التي يرسمها المتديّنون الذين يمنعون العقل من التعبير عن نفسه بحرية، وهو ما ظلّ يشكّل عقبة أمام تجديد الفكر الإسلامي.

اللغة المزدوجة للخطاب الديني إزاء العقل

عندما يهتم المرء بمسألة العقل في الفكر الإسلامي، هناك عنصر آخر يجذب الانتباه، وهو اللغة المزدوجة للخطاب الديني إزاء هذه المَلَكَة؛ فهو يمدح مزاياه، ويعلن أنّ الإسلام دين العقل، لكنّه في الوقت نفسه يؤكد أن الدين هو مسألة قلب وليس مسألة عقل، وبالتالي؛ هكذا يُمدح العقل ويشاد به تارة، ويُعرض على أنه خطر يهدّد الدين تارة أخرى.

هذه اللغة المزدوجة، مع ذلك، ليست تناقضاً؛ بل الأمر يتعلق بخطاب يخصّ موضوعين اثنين مختلفين، حتى إن كان يستخدم المصطلح نفسه “العقل”، فعندما يدعو إلى الحذر من العقل، وعندما يقلل من قيمته ومن شأنه، فذاك بصفته ملكة عقلانية تميز بين الصواب والخطأ. في المقابل؛ عندما يكرّم العقل ويمجّده، فهو يكرم ويمجّد العقل بالمعنى الأخلاقي، وبمعنى الحكمة والحسّ السليم، هذه اللغة المزدوجة تفسّرها، من جهة الصورة السلبية للعقل الموروث عن الحرب التي خاضها الحَرفيون والمحافظون ضدّ المعتزلة والفلاسفة. ومن جهة أخرى؛ تُفسّرها حقيقة أنّ القرآن يذكر لفظ “العقل” بمعنى الحكمة، فهكذا يفهمه المسلمون ويدافعون عنه.

هناك أيضاً حقيقة أنّ مصطلح “العقل” غالباً ما يستخدم للإشارة، ببساطة، إلى التفكير؛ فالبعض يتحدثو

مصدر المقال : https://www.hafryat.com/ar/%D9%85%D8%AF%D9%86%D9%8A-%D9%82%D8%B5%D8%B1%D9%8A

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى