داعش منحت النساء الموصليات مساحة من الحرية

“يستخدمه” نعم كُنت أطرق على منضدة مكتبي برؤوس اصابع يدي مُكررة هذه الكلمة في داخلي، وأنا اراقب السيد “س” وهو يُمجد “م.ر.” ليطلب منه أن يكتب مقالاً صحفياً ضد شخصية سياسية على أن يكون هذا المقال مؤدلج بسياسة وفكر ما، ورغم أن “س” لم يؤمن يوماً بقدرات “م.ر.” وكان غالباً ما يُعلن استياءه من قلم هذا الكاتب الذي لا يُجيد حتى أن يخطّ سطراً بإستخدام “مسطرة” إلا انه يُمجّده ويمتدحه فقط حين ينوي استخدامه…
الموقف منح الذاكرة فرصة لإستدراجي إلى حديث دار بيني وبين إحدى أبرز الاعلاميات في مشهدنا اليوم، حيث سألتها ذات مرة عمّا قادها الى طريق الشهرة؟ وما اذا كانت الطريق وعرة أم لا؟ أخبرتني يومها أن أخاها كان متعصب جداً تجاه أي ممارسة أو محاولة تقوم بها في مجال العمل الإعلامي، حتى إنه منعها من استخدام مواقع التواصل الإجتماعي وذلك لعدم رغبته بنشر أي صورة أو كتابة أي منشور على صفحتها الخاصة، فهو يعتقد بأن هذه الممارسات هي البداية التي تقود أي فتاة إلى الهاوية، والمرأة في مجتمعنا ” ما الها غير بيتها وزوجها” …
بالطبع كان الطموح الاكبر لهذا الشقيق هو زواج شقيقته من رجل ميسور الحال بعد ان نالت شهادتها الجامعية و “كفى”، حسناً وما هو الإعجاز الذي جعل الـ “أخ” يُغيّر رأيه لتكوني على ما أنتِ عليه اليوم؟ أم إن للموت دور في ذلك؟ في الواقع تسائلت بوقاحه وكنت أسخر من شقيق هذه الاعلامية حين جعلت للموت طرفاً في الحديث…
“استخدمني” جاءني الجواب ببرود ودون أن افهم ما يحتويه من تفاصيل، لتخبرني قائلة ” كان يجب عليه أن يُعفى من مسؤليته تجاه الاسرة ويتزوج، وأن يهتم بمتطلبات زوجته وحياته الجديدة بعد الزواج والتي قد تُكلّفه الكثير، ولأننا كُنّا مجموعة من النساء في بيت واحد وهو السيد المسؤل عنّا فكان من المفترض أن تُنقل المسؤلية لرجل أو شخص آخر. حاجته هي التي منحتني حريتي، وبعد زواجه وانشغاله التام بحياته الزوجية سواء أكان انشغالاً عاطفياً أو اجتماعياً وحتى اقتصادياً، ما منحني فرصة للعمل بالمجال الذي أحب، فكان مهماً بالنسبة له أن أتحمل مسؤليتي ومسؤلية النساء اللاتي كُنّ يعتمدن في عيشهن عليه، وبعد أن أُزيل أول حاجز كونكريتي من طريقي لم تكُن باقي الحواجز سوى مطبّات تُعثرني احيانا او تعيقني.”
“الحاجة” وبالتالي “الاستخدام” سببان يقودان الرجل للتخلي عن مواقفه المتعصبة والمتطرفة الغير مبررة ليمنح المرأة جانباً من حريتها في ممارسة عمل ما، هذا بالضبط ما عاصرنه فتيات الموصل في الفترة التي سيطرت فيها قوات داعش على المدينة، لنستطيع القول هُنا إن لداعش الفضل بمنح المرأة الموصلية شيء من الحرية لممارسة عمل ما، فما إن نزحت العوائل من منازلها، حتى سمح الرجل الموصليّ وبفكره المتعصب بعض الشيء بممارسة زوجته او شقيقته عملاً في المحافظة التي تم النزوح اليها، وذلك لسدّ الحاجة المادية بسبب الوضع الجديد المتأزم، في الوقت الذي كان ولا يزال الكثير من الرجال في الموصل متطرفين جداً تجاه ان تمارس امرأة العمل، ذلك انه لا يتناسب وتقاليد المدينة هناك…
مريم احدى الفتيات الموصليات أخبرتني أنها ما إن خرجت من المدينة حتى مارست عملها كناشطة مدنية في احدى منظمات المجتمع المدني، وبعد أن تم القضاء على ارهاب داعش عادت مريم الى المدينة مُكوّنة هي وبعض الشباب من ابناء المدينة فريقاً تطوّعياً للقيام بحملات توعية، واغاثة، داخل المدينة، وكما إن الموصل لم تعُد كما كانت بعد إنهيارها بسبب ارهاب داعش وتدميره لها، فأن مريم ايضاً لم تعد كما كانت، فهي تؤكد خلال حديثها إن الظرف الذي مرّت به بسبب احتلال المدينة من قبل الارهاب وممارستها العمل جعل منها امرأة أكثر قوة، تستطيع أن تعتمد على ذاتها وتوفر الحماية الكافية لذاتها، ذاكرةً انها تقصد بذلك الحماية النفسية والاقتصادية، تجد مريم إن الأباء الذين يعتقدون أنهم يحافظون على بناتهم من خلال عدم السماح لهنّ بالظهور إلى الحياة هؤلاء لن ينشئوا سوى جيل من النساء المنهزمات والمصابات بأمراض اجتماعية تجعلهن غير قادرات على مواجهة المجتمع، أو حماية ذواتهن في الوقت الذي يستوجب به أن يكُنّ شقائقاً للرجال ، وهذا ما لم يدركه الرجال في الموصل بعد بسبب خضوعهم لتقاليد ما لها من صحة…
التجربة التي مرّت بها الموصل وما تعرض له نساء المدينة واطفالها كان كافياً ليعي رجال المدينة إنهم في وقت الازمة بحاجة الى نساء من الشدة والصلابة ما يسمح لهن بالدفاع عن أنفسهن ومواجهة أي ظرف أو موقف يتطلب منهنّ أن يكنّ بألف رجل، وان قوة الشخصية والشجاعة الذاتية هذه لا تأتي سوى من الحرية، والعمل هو من أبسط الحريات التي من حق الفرد أن يمارسها خاصة إنه يمنح المرأة قوة لمواجهة الحياة واسلوب للتعامل مع بعض المواقف، ايضا يتيح لها فرصة بناء شخصية قوية، خاصة فيما يوفره لها من استقلال اقتصادي …
فتياتٌ أُخريات خرجن من المدينة مع عوائلهن بعد سيطرة داعش عليها، وعملن خارج المدينة، وما إن عُدن وعوائلهن حتى اجبرن مرة أُخرى على ترك العمل، ذلك أن رجال هذه العائلة أو تلك ” استخدموهن ” أيضاً لإنقاذ الوضع الاقتصادي العصيب الذي تمرّ به الاسرة النازحة لحين حل الأزمة، وما إن حُلّت الأزمة ومع اتمام العودة، اجبرت تلك الفتاة على ترك عملها بحجة “تقاليد المدينة” …. دون أن يوجه الرجل الموصليّ تساؤلاً لذاته فيما إذا كانت هذه التقاليد قادرة على توفير رغيف خبز لإسرتك لولا عمل “المرأة” أم أن هذه التقاليد قادرة على منح المرأة قوة للتعامل مع محيطها، أم انها كفيلة بخلق امرأة قوية يُمكنها أن تتحمل المسؤلية عنك وتحافظ على ذاتها واسرتها في غيابك .

مقالات ذات صلة

‫19 تعليقات

  1. Hello there, I discovered your website by the use of Google even as
    searching for a comparable topic, your site came
    up, it seems to be great. I have bookmarked it in my google bookmarks.

    Hello there, simply become alert to your weblog thru Google, and located that it’s really informative.
    I’m going to watch out for brussels. I will be grateful if you proceed this in future.
    Many other folks might be benefited from your writing. Cheers!

  2. whoah this weblog is magnificent i really like reading your posts.

    Stay up the great work! You realize, lots of individuals
    are searching round for this info, you can aid them greatly.

  3. You can certainly see your skills in the work you write.
    The sector hopes for even more passionate writers such as you who are not afraid to mention how they believe.
    At all times go after your heart.

  4. Hi! This post could not be written any better! Reading through this post reminds
    me of my old room mate! He always kept chatting about this.
    I will forward this page to him. Pretty sure he will
    have a good read. Many thanks for sharing!

  5. Hello! I could have sworn I’ve been to this blog before but after reading through some of the post I realized it’s new to me.
    Anyways, I’m definitely delighted I found it and I’ll be book-marking and checking back frequently!

  6. I’m amazed, I must say. Seldom do I encounter a blog that’s equally educative and
    engaging, and let me tell you, you have hit the nail on the head.
    The problem is an issue that too few men and women are speaking intelligently about.

    Now i’m very happy that I came across this during my hunt for something concerning this.

  7. An interesting discussion is definitely worth comment.
    There’s no doubt that that you need to write more about this subject, it may not be a taboo matter but generally people
    don’t speak about these subjects. To the next! Many thanks!!
    cheap flights http://1704milesapart.tumblr.com/ cheap flights

  8. Hello! I know this is kinda off topic nevertheless I’d figured I’d ask.
    Would you be interested in exchanging links or maybe guest authoring a blog article
    or vice-versa? My site addresses a lot of the same subjects as yours and I believe we could
    greatly benefit from each other. If you’re interested feel free to shoot
    me an e-mail. I look forward to hearing from
    you! Awesome blog by the way! cheap flights http://1704milesapart.tumblr.com/ cheap flights

  9. I’ve been exploring for a little bit for any high-quality articles or weblog posts on this kind of area .
    Exploring in Yahoo I at last stumbled upon this
    website. Studying this info So i am happy to show
    that I’ve an incredibly just right uncanny feeling I came upon exactly what I
    needed. I such a lot no doubt will make sure to do not disregard this
    website and give it a glance on a relentless basis. scoliosis surgery https://coub.com/stories/962966-scoliosis-surgery scoliosis surgery

  10. Great post. I was checking continuously this blog and I’m impressed!

    Extremely useful info specifically the last part 🙂 I care for such information a lot.
    I was seeking this particular info for a very long time.
    Thank you and good luck. scoliosis surgery https://0401mm.tumblr.com/ scoliosis surgery

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى