هل نحن قوم عاطفيون؟

ما أن تبدأ مباراة رياضية بين (منتخبنا) الوطني بأي لعبة من الالعاب، ويصطف اللاعبون لقراءة النشيد الوطني، الا ونرى عيونا اغرورقت بالدموع، ومآق يعلوها الجراح، ومناديل ملونة نلوح بها، ووشاحا نضعه فوق اكتافنا، وحين تنتهي الفعالية بخسارة المباراة، نسب العراق والمدرب واللاعبين واحيانا نلقي باللوم على انفسنا لحضورنا وتحملنا وصبرنا واصطبارنا.
أما حين يفوز فريقنا فالامر مختلف: (الغيرة العراقية)، (ولد الملحة)، (الابطال)، (الاسود)، (هذا العراق)، وغيرها.
اما الاهازيج فهي مشاعر مختلطة بين السياسة والاجتماع والتراث والاصالة والمعاصرة والمعقول وما وراء المعقول.
في الغالب اسباب الخسارة تتعلق بتنظيم الخصم وترتيب صفوفه، وفق دراسات علمية، ولا اتصور ان لاعبا يمثل المنتخب يريد ان يظهر بصورة غير جيدة، فلاعبنا عراقي حال الفوز، بنغالي حين الخسارة مع اعتزازي بالشعب البنغلاديشي.
اما في عالم السياسية فنصنع اصناما نظل لها عاكفين، وما كانوا لولانا طغاة متجبرين متفردين دكتاتورين، لا يأبهون بنا وكأننا ارقام صفرية لا أثر لها.
حديثي ليس عن سياسي بعينه، بل ظاهرة نعيشها، فرفع الصوت حتى لو كان بالبطل نتفاعل معه، لاننا عاطفيون، وكم تعلقنا باسماء سياسية، ودخلنا معارك ضارية، لا ناقة لنا فيها ولا جمل، فقط لاجل انه رفع صوته في البرلمان حقا او باطلا، تاركين لنوايانا الطيبة التفسيرات الايجابية التي تصل بالسياسي احيانا الى درجة الملائكية وما وراءها.
نتفنن في وضع حاجز بيننا وبينهم، ونختلق الاعذار لهم بالباطل، ونعمل من انجازهم (الحبة) كبة، كل ذلك لاننا عاطفيون.
أحدهم قد يكون ملك الانسانية في عمل معين، لكننا سرعان ما نضعه في صف ابليس والشياطين، لانه صافح احدهما او كلاهما.
وآخر ننصب له التماثيل وهو يتلفظ بكلمات تصل حد النابية لاعضاء في مجلس النواب مبررين له شارحين ومفسرين: (برد قلبنا)، ( هذا الكلام وبس)، (لا عاب حلقك)، (من زمان ما سمعنا هذا الحكي الكويس)، فاحكامنا العاطفية تكون هي الاساس بعيدا عن العقلانية الا في بعض المواقف.

انطباعاتنا الشخصية المبنية على الموقف المجرد توقعنا في مشكلات لا حصر لها ولا عد، فالخط الاحمر يتحول بين عشية وضحاها الى حقل دواجن تتجول فيه المتردية والنطيحة وما أكل السبع، والجبان المتلون (اللوكي) النفعي ننشط مدنيا في التبرير له، حتى لو اضطررنا لاستدعاء نصوص مقدسة، وفي عمله السابق ما كنا نعجز عن تفسيره، فهو صاحب الحجة والبرهان سيد المكان.
وفي غربتنا نتغنى باسم العراق الذي نلعنه حال وصولنا المطار، واحدنا وهو هناك لا يبحث الا عن الطعام العراقي، ويرفض تجريب غيره، وهو للتو قد سافر ووصل، فلا تجد في منطقه وهو يتسوق الا (اويلي على العراق)، (بعد بيتي العراق)، وهو للتو لعنه وهو يغادر المطار.
أعرف زملاء كانوا يبكون على اغاني الفنان ياس خضر، وسعدون جابر، وغيرهم، ولا يعشقون اصواتهم الا خارج الحد العراقي.
وفي النطاق الاجتماعي نعيش حالة من العاطفة، ونبني صورة ذهنية على عائلة كاملة، بسبب احد اقربائها الجيدين او السيئين، ونحاول ان نسوقهم بالحالتين ان لزم الامر، يدفعنا الى ذلك مواقف محددة تكون مناط حكمنا الايجابي والسلبي.
وقد صدرت بالفعل احكام ظالمة على عوائل كاملة في الموصل بأنهم دواعش، وما هم من داعش لا قريب او بعيد، لكن اساءة احدهم كانت الفيصل في الحكم.
لعل آخر شواهدي يكون هذه المرة بالاعجاب منقطع النظير بما وصل اليه الاخر من تقليدنا في عاداتنا التي بعضها قشرية.
السفير الياباني منتهي الصلاحية والنفع بالنسبة للعراقيين لا لبلده، كان يتحفنا بين فينة وأخرى بمجموعة من النشاطات التقليدية التي نروجها نحن كاشخاص اكثر منه، فهو يرتدي الزي البغدادي، ونحن نطبل ونزمر، ويأكل الكاهي والقيمر، وتشبع بطوننا، ويرتدي فانيلة منتخبنا فيخسر الى غير تلك النشاطات التي ما عادت بالنفع على اقتصادنا وبلدنا بشيء سوى العاطفة التي حركتنا وكاننا يابانيون اكثر من اليابانيين انفسهم، وبالتالي خسرنا اوقاتا فقط نتغنى بحب اليابان التي تفخر بشعبها ومنجزها وهو أس الامر، ونحن تعلقنا بالقشور المجردة.
الخلاصة:
تأخذنا العاطفة بعيدا، لكن من الضروري ان نعود سريعا الى جادة الصواب، ونحرك عقلانيتنا التي لم نر المهالك حال تمسكنا بها، والمزج بينهما بمقدارير مقدرة لا طغيان فيها ولا اخسار فذلك خير الخير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى