خطبة الخميس

إن كنتَ ما تدري، فاسأل. وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ، لأنّك عندئذ تكون تُلبس الحقًّ بالباطلِ وتكتمُ الحقَ. ولأنّ العمرَ قد زاد النزاقة، فسأبدأ بما كنتُ أترك للخاتمة أو أُسقُط تماما:

رأيي الشخصي حول موضوع سماعكم لتاريخ 5\10\2018 هو أني أرجّحُ كفة الحرية الشخصية وفقَ تنظيم قانوني يضمن عدم تأثر حقوق الأخرين. ولأنّ موضوع الحريات والحقوق يطول الخوض فيه، أختصر فأقول: ما دام “صاحب السوء” الذي “يتربص بك” لا يُكرهِك، فليس لك عِنده شيء. أمّا عن حرية المجتمع، فالمجتمع يرغب في رؤية، او عدم رؤية، الكثير. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون المجتمع فوق القانون، او قد يكون؟ وعند ذلك يكون الشُكر موصولا للجراد لسماحه لنا بإستعارة كلمة (غوغاء). الرأي الذي ستقرأونه أدناه ليس محلاً للنقاش، فهو رأي فيما أراه يصحُ أو لا يصح؛ فمن كانَ يريد النقاش، فليكتب، وسنقرأ ثمّ نردّ على ما يستحق. ولذلك اقتضى التنويه.

بعد سماعكم الكليشة المعتادة لتليين قلوبكم وزيادة خشوعكم، وضمان رهبتكم، سيُعرّج الناقِل على ذِكر “مقدم الآفات وأشدها خطراً” وهي “المخدرّات والمسكِرات”، ويكأنّ الكاتب قضى حياته في مدينة أفلاطون الفاضلة! أليس منهم رجلٌ رشيد؟! أحقّا لم يجد الكاتب ما هو أشد مضيعة للـ “الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعِرض”؟! وقد أوضّح فأعطي أمثلة لم يسمع بها الكاتب: القتل، السلب، التهجير… على الرغم من أنّ مثل هذه الأمثلة بعيدة عن واقع السيّد الكاتِب، إلا أنّ الكتاب الذي إعتمدَ عليه الكاتب (القرآن الكريم) يوضّح من غير لبسٍ “مقدم الآفات وأشدها خطراً” وهي ليست المسكرات او المخدرات قولاً واحداً لا جدال فيه.

و يسترسل الكاتب ليستشهد بقصص وعِبر حتى يبدأ بمخاطبة “الأحبّة” ليشرح لهم عن الكم الهائل للآثار السلبية، وعديد حدوثها وكأنها الصفة السائدة المصاحبة لهتين الظاهرتين. ويكون الرد من جزئين: أولاً، لماذا ليست هذه هي الصفة السائدة على المجتمعات التي قنّنت المسكِرات والآخرى التي فعلت المثل مع بعض أنواع المخدِرات؟ ثانياً: هل الكاتب على علم بجميع “مدمني” هذه المواد في مجتمعه؟ أم هي الحالات القليلة التي تتطور لمشاكل فتصل الى صفحات التواصل او وسائل الإعلام؟

ثم يستشهد الكاتب بآية سورة المائدة وذلك ملفتٌ للنظر؛ فالتركيز في الآية، لمن يأخذ بالسياق ولا يجتزئ، على أثر الخمر (لا ذِكر للمخدرات، ولنعدّها مع الخمر) وليس على ذاته كمادة. وما هو ممنوع (إثم) لأثره يغدو مسموحاً بزوال الأثر. فقد أتى في سياق الآية (فهل أنتم منتهون)؟ أي عمّا يسبب هذه الظواهر، العداوة والبغضاء.. . ولأنّ مثل هذه الأمور هي أمور إدارية بامتياز، فتقنينها وتنظيمها لكبح الآثار المحتملة أمرٌ لابدّ منه وهو ما ندعو اليه.

هل سمعنا جئير الشعوب؟ والجواب لا. لاشكّ أنّ في هذه المواد إثم (وهو ما يعرّفه صاحب مقاييس اللغة بأنه: البطء والتأخر) كما أنّ فيها منافع للناس. وأنا من المؤمنين بأنّ في الخمر مخاطر صحية واجتماعية كثيرة، لكنها تكاد تكون مشابهة او تقل عن مخاطر السجائر. وأؤمن أيضاً بأنّ الحل هو التنظيم والتقنين وليس التهديد والقتل والتحقير. يستشهد كاتِب الخطبة بما تنقله موسوعة الإعجاز العلمي عن “وليم فولبرايت” ومجلة “لانسيت”، وهذا مما لا يُرد عليه لأنّ المصدر الأصلي غير مذكور ولا يمكن معرفة السياق. وعلى العموم، فالسيد فولبرايت عاش في فترة كان فيها تناول المسكرات والمخدرات صرعةً في الولايات المتحدة ولم تكن القوانين التي تنظمها متطورة كما هي اليوم. ولو سلمّنا بالرقم المذكور عن عدد شاربي الخمر (44) مليون، فهل يستطيع الكاتب ان يعطينا 44 مليون حالة قطيعة، وعداوة، وتضييع مال وعِرض ونفس؟

أمّا ما ستسمعونه في الفقرة الثانية من هذي الخطبة، فأوافق على أغلب ما جاء فيه. فلتنصح، ولكن إنصح صديقك او شخصاً قريبا عليك. لا تنصح من لا تعرِف فذلك قلّة أدب وتعدٍ على الحريات. أحببت أيضاً ذكره للـ “مسالك القانونية”، يا عزيزي قدّم شكوى فيما تظنُ أنه مضِّرٌ بالمجتمع. لا تجعل نفسك وكيلاً لله، فإنّك تسلبه صلاحياته؛ لا تجعل نفسك بديلاً عن القانون، فإنّ ذلك ما قادكم الى الحال الذي أنتم فيه إبتداءاً.

“عندما ينغمس الرجال العاديون في الإساءات ، عندما ينكرون على الآخرين محاكمة عادلة، عندما يلجأون إلى التلميح والإيحاء، إلى التشهير والفضيحة والشك ، فإن مجتمعنا الديمقراطي منتهك ، والديمقراطية مرتبكة.” وليّم فولبرايت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى