مخيمات العزل .. خطر ينتظر كبسة زر

اسبوع حافل بالاستماع لشهادات سكان المخيمات العراقية، لاسباب متعددة هناك 94 مخيما في العراق يسكنها قرابة 300 الف نسمة ومن كافة الفئات العمرية بحسب احصائيات مصادر حكومية، منهم قرابة 118 الف نسمة لم يتوضح سلامة موقفهم والكثير منهم من عوائل انتمى بعض أفرادها لداعش ومنهم من تعايش تحت حكم داعش وظيفيا وخدميا دون ان يعمل معهم بالملف الأمني او العسكري ولَم يشهد عليه احد بأنه كان داعشيا..
كثير من الزملاء الصحفيين نشروا حوارات مع هذه العوائل ومن زوايا مختلفة إنسانية وقانونية واقتصادية وموضوعات دينية وعشائرية وقومية وهوياتية..كانت قصص كتبت بأقلام محترفين لو جمعت في كتاب لأصبحت بحجم ثلاثة مجلدات..
شخصيا حاورت أم لداعشي اسمها “خالدة أم أسعد 68 عاما” في مخيمات الكيلو 18، هي شخصيا ليست نادمة على تدين ابنها بعقيدة ومنهج داعش، فهو كان برا بها شديد الطاعة والسماع، وقد طلق بنت عمه وأم أولاده بسبب عدم انسجامها معها، تقول ان الاحكام الفقهية الشرعية التي أمنت بها خالية من البدع والمحدثات، وهي معلمة لمادة الرياضيات، تعلمت من مهنتها ان العلوم الإنسانية والفقهية تخضع لقواعد منطقية تشبه الرياضيات، وهي حادة وشديدة ولا تقبل اللون الرمادي وهي حقيقة بين الصدق والكذب، في معيتها ابنتين وجد كبير العمر و5 أطفال احفاد، هي وثلاث من النسوة لازلن مؤمنات بجهاد وسلامة عقيدة ابنائهن الدواعش، ومن اجل ذلك الإيمان عليهن الصبر والتسليم، وتحكي إحداهن قصة حصار اهل الإسلام الأوائل في شعب ابي طالب ايّام البعثة النبوية في المرحلة المكية، وقصص أخرى كثيرة للتسلية والصبر، بتحرير هيت وكبيسة، ما زالت تلك المخيمات تزدحم بهذه النماذج، مخيمات تشبه مخيمات بوكا أكاديميات وحلق دراسية لصناعة الكراهية والنقمة، وعدم وجود رؤية حكومية قابلة للانجاز تلوّح فى الأفق.
قلت لها: انت ومن يشبهك بهذا التشوه الديني تحلمن بعودة احكام الذبح والقتل، داعش دولة ريعية كسولة اقتصاديا، هي تعيش على الغنائم بقهر الرصاص والسكين، حتى فى داخل المخيمات غير صالحة للعيش بكرامة إنسانية ما زلن يفكرن بالخلافة المزعومة والخليفة الراشد والحاكمية القاهرة لجميع الأديان والطوائف والملل والنحل والشريعة والفقه والقضاء والحسبة وبيت المال، بينما الكثير منهن يشعرن بالظلم والتذمر من داعش وأنصارها.
خلال عمليات التحرير عزلت العوائل الداعشية خوفا من عمليات الثأر العشائري إلى مخيمات خاصة وبحراسة أمنية مشددة مع أطفالهن وكبار السن والشباب الذين ظهرت سلامتهم الأمنية والقضائية، بعد تعايشهم ل3 سنوات تحت حكم داعش.
زرت ايضا بعد ايّام مخيم عزل قريب من عامرية الفلوجة، وحاورت جد لداعشي “حجي جمعة ابو حليم” يقول عانيت كثيرا من حفيدي الشرير الذي تهجم على املاك اهلنا وجيراننا تحت عنوان “الغنيمة والفيء” كان يهاجم حتى شيوخ المساجد ويبطش بالرجال الصالحين من الصوفية واصحاب الطرق والتكايا الصوفية، هو يطلب منهم التوبة من الكفر والشرك، علما انه لا يحسن قراءة القرآن، وقبل عام 2003 كان يقضي معظم وقته في الحانات، وبعد عام 2004 انتمى لتنظيم الزرقاوي، وعام 2013 هرب من سجن ابو غريب، وأول شيء فعله فسخ عقد اخته من ضابط مخابرات في الحكومة الحالية وهدد بقتلها، وقتل ابن عمته لأنه شرطي مرور، عجزت ان امنعه او يسمع لي، عموما انا غير مرتاح الضمير، وعمري الان 79 سنة والأمراض المزمنة تأكل كل جسدي، واعلم اني ساقف بين يدي الله طويلاً بسبب عدم شجاعتي على قتل هذا القذر، كان بإمكاني الاجهاز عليه في كل ليلة حينما ينام لكني كنت جبانا.
وعند زيارتي لمخيمات العزل جنوب نينوى التقيت بزوجة لداعشي” سهام أم حنين 50 عاما” تحدثت لي عن ملحمة هروبها من منطقة الشورة جنوب نينوى مع أطفالها الثلاثة، تقول: شعرت وكأن القيامة قامت وليس امامي الا الركض بتجاه الشرطة الاتحادية العراقية، لا احمل معي الا طفلي حسن “الرضيع” ومعي نساء جيراني الكثير منهن شعرن بأنهن فى حُلم الحرية الا أنا، فازواجهن وابنائهن مع الحكومة خارج مدينة الشورة، فقد انتهت داعش بالنسبة إليهن وهن سالمات وابنائهن بكل خير، لكن القيامة بالنسبة لي تحوّلت إلى جحيم، لأنهن أخبرن الاستخبارات عن زوجي “حاتم” الذي كان داعشيا قاسيا ضمن مفارز “الشرطة الإسلامية” وألقى القبض على الكثير من ابناء الجيران بحجة التجسس والعمالة لصالح الحكومة وقوات التحالف، انتهى التدقيق الأمني وتم عزلي في مخيمات العزل.
حتى فى هذا المخيم البائس لايزال القليل من النسوة يُؤْمِن بعقيدة داعش، أصرت «أم حنين» ان تخبرني وهي غير متعلمة تحصيلها الدراسي دون الابتدائية على الالتزام بالدعاء لخليفة داعش في كل صلاة ليل، والعجيب ان لديهن امل بحملة “غزوة” داعشية لتحريرهم، علما ان القانون لا يعتبرهن مشتبه بهن او مجرمات، هذا النموذج من النسوة وهن الأقل عددا يسيطرن على المخيمات في ملف الادارة والتنظيم والتعليم وهذا خطر محرج وخطير ينبغي الانتباه له.
فى جغرافيا صغيرة وضيقة واحدة تعج بالمئات النازحين الذين يحملون معهم الكراهية والتعاليم الدينية المتطرفة وذكريات تعايشهم تحت احكام داعش..يدق جرس الخطر وضرورة إيقاف هذا الاهمال الصانع لأكثرية من المتطرفين.
ادركت شيئا مهما ان هذه المخيمات لا يزال فيها باقل تقدير 1‎%‎ ممن يُؤْمِن بخلافة داعش المزعومة، ولا يزالون ينتظرون الفرصة فى تجديد سفكهم للدماء، لا يزالون يتربصون الدوائر والخلافات الداخلية، يقولون: «إنهم خسروا ارض التمكين والخلافة فقط، مجرد مصيبة قدرية، ولكنهم لم يخسروا إيمانهم بالخلافة، والحرب سجال »، بالنسبة إلى ادارة المخيمات الحكوميين كانوا يشاركوني في هذه الملاحظات وينتقدون عدم منهجية المنظمات الدولية والمحلية في معالجة هذه الأمراض خاصة عند الأمهات والابناء.
بعض الأشخاص قتلوا داخل هذه المخيمات بطريقة غامضة والقاتل مجهول هذه المخيمات تشبه قصص “بوكا”.
“أم حنين وأم أسعد” كلاهما يضربن أولادهن بشدة ومنعهم من الاختلاط ببرامج المنظمات الدولية والمحلية.. ويرفضن لعب أطفالهن مع الآخرين الذين يخالطون المنظمات الدولية ويقلن: «احذروا الكفار والمنافقين»
“أم حنين” تقول لو قدر الله ان يظفر بك زوجي لقتلك فأنت :«كافر»..
اقترحت على ادارات المخيمات 5 خطوات لتخفيف انتشار الفكر المتطرّف؛
1- عزل المشتبه بتطرفهم في مخيمات خاصة، ويتم ذلك بمساعدة لجان خاصة بتشخيص الفكر المتطرّف والسلوك العنيف، وفق الأدلة الحقيقية والقرائن الصحيحة والمعاير النفسية والاجتماعية والفقهية المعتدلة.
2-الاستعانة بمنظمات صناعة السلام وتمكين الاستقرار والمصالحة الوطنية الجادة، لكتابة حلول لكل جغرافيا او بيئة لها علاقة بمن تم تصنيفهم انهم غير ملوثين بلوثة الدعشنة..
3-فرض التعليم الإلزامي على الأولاد والعمل على دمجهم بمدارس خارج المخيمات بعد أخذ الأذن من اللجنة المختصة بكتابة تقرير شفائهم وبراءتهم من عوالق الفكر والسلوك الداعشي.
4-فرض دورات وورش عمل نفسية وتربوية خاصة بالحوار الديني والاجتماعي والاقتصادي بكلا الجنسين من البالغين لتخفيف التطرّف عند الفئة التي تم عزلها بالمخيمات الخاصة.
5-برامج خاصة لتعزير الثقة بالهوية الوطنية والتعريف بالاخر والتثقيف على ثقافة الاعتذار منه والتعايش معه، مع حرية التدين لكل إنسان مالم يورث ذلك التدين السلوك العنيف المتعدي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى