لا أحد يلتفت إلى الناجية الوحيدة في الموصل

مثيرةٌ تلك النوافذ المهشَّمة التي تتيحُ مشاهدةَ رفوفٍ مكسوةٍ بالغبار وتبرز منها أغلفة جلدية كأنها أطراف مرضى على أسرة الإنعاش، والملفت أن هذا المشهد نادرا ما يحظى بإهتمام المارين في الشارع المزدحم بمدينة الموصل.

الإقتراب أكثر من البناية جعلني في زاوية بانورامية، الجداريتان المدمرتان، وآثار التمثال المهدم، والحديقة المهملة، وأحد الموظفين يغسل سيارته في الباحة! وعدد من زملائه يجلسون عند المدخل الداخلي تحت أشعة الشمس المنعشة في هذا الصباح البارد، وممر الإستقبال يناسب مدخلا الى كراج لتصليح السيارات، هناك بقع زيت أسود على الجدار والبلاط!

هل هذه مكتبة عامة؟
نعم، المكتبة المركزية العامة التي تأسست سنة 1921، وهي المكتبة العامة الوحيدة لمدينة تضم نحو 1.7 مليون نسمة. تقع في مربع مزدحم يضم دوائر حكومية بارزة بمنطقة الفيصلية في الجانب الأيسر، لكنها منسية لا أحد يدخل إليها سوى موظفوها الـ54 يتناوبون في الدوام لعدم وجود مقاعد وغرف مؤهلة للعمل.

أتحدث عن وضع المكتبة التي زرتها يوم 28 تشرين الأول/ اكتوبر 2018، أي بعد مرور سنة و4 أشهر من تحرير المدينة بالكامل.

يعتقد موظفو المكتبة: أن داعش حوّل البناية المكونة من سرداب وطابقين الى سجن، فسكان المنطقة كانوا يشاهدون – في عامي 2015 و 2016 – عناصر التنظيم يخرجون منها ومعهم مجموعة من الأشخاص المكبلين كلما جاءت غارة جوية، خشية تعرض البناية للقصف.

أحد الموظفين رفض تسليم المكتبة لعناصر داعش، فعلى مدى سنة كاملة حافظ ورفاقه على محتوياتها، “قمنا بتقسيم العمل، نتولى حراستها بالتناوب فيما بيننا نحن الموظفون، وعندما أرادوا الدخول في آب/ اغسطس 2015، أغلقتُ الباب الحديدي وتحدثت إليهم من ورائه : لن أسمح لكم بالدخول، هذه مكتبة عامة وليس فيها سوى الكتب وأنا موظف مسؤول عنها. غادروا لكنهم عادوا بعد يومين أو ثلاثة وأجبروني بالقوة على فتح الباب وأمروني بالمغادرة، عندها توقفت وزملائي عن المجيء اليها”.

المكتبة تعرضت لتخريب متعمد من التنظيم، يقول موظف آخر، شاهدت أكثر من مرة شاحنات كبيرة وهي تنقل مقاعد وخزانات وأثاث مكتبي منها الى جهة أجهلها، وقد دمر المتطرفون جداريات وتمثالا كانت عند مدخل البناية وداخلها. وصحيح أنها نجت من القصف لكنها تضررت كثيرا.

التخريب والعبث ساهم فيه بعض الأهالي عندما سرقوا بعض رفوف الخشب والكتب وجعلوها حطبا للطبخ والتدفئة، في فترات الأزمة الشديدة خاصة نهاية عام 2016 وبداية 2017.

“أول ما دخلنا الى المكتبة بعد التحرير وجدناها خربة، القاعات والرفوف خالية من الكتب تماما! إعتقدنا يومها أنهم نهبوها وأحرقوها، حتى نزلنا الى السرداب ووجدنا كنزنا المفقود”، يقول مدير المكتبة جمال أحمد.

كانت الكتب على الأرض في أكداس كبيرة، نقلناها الى الطابقين الأرض والعلوي، كما عثرت الشرطة عثرت على نحو 1300 كتاب سرقها أحد عناصر داعش ومجموعة اخرى من 1300 كتاب عثرنا عليها في مسجد قريب، ثم قمنا بحملة لتنظيم وترتيب الكتب في الرفوف المتبقية بطريقة الخزن وليس العرض للإستعارة، والمهم أن الكتب الناجية تقريبا 116 ألفا، ولم نفقد سوى 4580 كتابا، يضيف.

المميز في هذه المكتبة أنها تضم خزانات شخصية مميزة، أي كتب لشخصيات أدبية وثقافية وأكاديمية وسياسية، تبرعوا بها في فترات سابقة، وعددها 95 خزانة أقدمها وأهمها يعود الى سنة 1946 وتضم 663 كتابا قيّما، تبرع بها سامي عبدالله باشعالم.

ويضيف جمال احمد، لحسن الحظ أن المخطوطات المهمة نقلت الى بغداد منذ عام 2003، وعندما أردنا إعادتها الى الموصل عام 2008 سألنا المسؤولون في بغداد: هل تضمنون الحفاظ عليها؟ قلنا : لا، فعدنا من دونها.

تلك المخطوطات ورقية وجلدية وعددها 299 كلها ذات قيمة كبيرة فهي تختص بتاريخ وحضارة الموصل، وفيها مخطوطات يهودية ومسيحية.

“ترميم كاذب”

في بداية التحرير جرت محاولة لترميم البناية وتحويلها الى مقر لمحاكم نينوى، لكن الناشطين نظموا حملة على مواقع التواصل الإجتماعي وعلى إثرها قرر رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي إيقاف هذا الإجراء وترميم البناية وإعادة فتح المكتبة.

إثر ذلك خصصّ ديوان المحافظة مبلغ 200 مليون دينار عراقي لإعادة تأهيلها، وبعد شهرين فقط توقف العمل (نهاية سنة 2017) وما زال متوقفا.

“الآن البناية ليس فيها كهرباء لان داعش خلع الإسلاك كلها، وليست هناك أبواب ولا نوافذ، نحتاج الى عمل وجهد كبير لإعادة ترميم البناية كلها وتوفير خزانات ورفوف كتب جديدة وتأثيث كامل، وإلا لن نستطيع إفتتاحها”، يقول مدير المكتبة.

الكتب وأرشيف الجرائد المهمة توجد الآن في قاعات بلا نوافذ، وقد كساها الغبار وهي تتعرض للرطوبة والأمطار، شاهدتُ كتبا على الرفوف مبللة بسبب موجة الأمطار الأخيرة (26 تشرين الأول/ أكتوبر 2018)، وهذا الكنز الثمين سوف يضيع من أيدينا إذا بقي مهملا هكذا.

مصدر مطلع كشف “أن ديوان محافظة نينوى أرسل قبل أشهر كتابا الى مجلس الوزراء يؤكد فيه إكتمال ترميم المكتبة وأفتتاحها”. والحقيقة خلاف ذلك تماما.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. What i don’t realize is in fact how you’re no longer really a lot more neatly-liked than you might be right now.
    You are very intelligent. You understand therefore significantly
    on the subject of this subject, produced me in my opinion believe it from numerous numerous angles.
    Its like women and men don’t seem to be involved until it
    is something to do with Girl gaga! Your individual stuffs nice.
    Always maintain it up!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى