ماراثون الهوية العراقية .. تحمل العناء أو إدفع رشوة

فوضى تبدأ من الشارع العام في منطقة المحطة غربي الموصل، يجتمعون أمام الباب نساءً ورجالاً، يتوسلون الدخول لإكمال معاملاتهم، في الجانب الآخر ، طابور طويل لاينقص بمرور الوقت، من أجل الحصول على إستمارة بدء ماراثون بطاقة معلومات عراقية تدعى ( الهوية ).

أحمد هاشم، التقيته في بداية شهر تشرين الثاني، جاء ليحصل على صحة صدور لهويته بناءً على طلب إحدى دوائر الدولة، ثم رأيته في نهاية الشهر ، أخبرني أنه لازال يراجع عليها طول تلك المدة واليوم حان الموعد لإستلامها.
أمثال أحمد كثيرين، طرحت عليهم السؤال نفسه، كم مضى على مراجعتك للدائرة؟ شهر ، شهرين ، خمسة ، فأكثر ، الأجوبة لاتقل عن الشهر في أحسن الأحوال، ويقص كل مراجع قصة تختلف عن الآخر في سير الإجراءات لعدم وجود مسار ثابت وواضح لأنواع المعاملات وطريقة ترويجها.

أعيد إفتتاح دائرة أحوال الأيمن في ١٢ نيسان/ابريل ٢٠١٨ من قبل محافظ نينوى، لتخفيف الزخم الذي حصل على الموقع البديل بعد تحرير الموصل وإقبال الناس على إصدار هويات جديدة أو إستبدال التالفة أو بدل الضائع.

الإجراءات التي تتبعها الدائرة في إصدار الهويات تستوجب أن يجلب المواطن ورقة تؤيد سكنه من مختار المنطقة، ثم تصديقاً لهذه الورقة من دائرة القائممقام، ثم سحب إستمارة من دائرة الأحوال ، ثم الذهاب إلى الإستخبارات في منطقة اخرى تبعد مساقة نصف ساعة ذهابا وإيابا للتأكد من أن صاحب العلاقة غير مطلوب للأجهزة الأمنية، ثم العودة لدائرة الأحوال والتنقل بين نوافذ الموظفين للحصول على الأختام والتواقيع ، ودفع مبلغ ٥ $ لكل بطاقة، ثم مراجعة الشعبة التي تحتفظ بسجلات عائلته ، إذ تسحب الأوراق التي جمعها المراجع من قبل موظف الشعبة ويطلب منه مراجعة الدائرة بعد ١٥ يوما لإستلامها، في حال عدم وجود نقص أو خلل في تلك الأوراق، وهو نادر الحدوث.

أخطاء في الكتابة
يقول صاحب محل الاستنساخ المقابل للدائرة أنه يفتح يومياً مابين ( ٤٠-٥٠ ) هوية أحوال يستلمها المراجعين وفيها أخطاء إملائية ومعلوماتية، وهو ما تأكد لنا خلال تواجدنا في الدائرة لأيام طويلة ، حيث يعود مستلمي الهويات إلى الشعبة ويقرون بوجود أخطاء في الإسم أو تاريخ الميلاد أو الجنس أو عدم تسجيل إسم الزوجة الثانية وغيرها، والسبب هو كتابتها بخط اليد تحت ضغط الزخم الكبير من المراجعين على موظف الشعبة، إذ يطالب الموظف بالذهاب إلى محل الإستنساخ وفتح الكبس الشفاف ثم تصليحها بالحبر الابيض وهو مايعد تزويراً لدى الدوائر الأخرى التي ترفض إستقبال هويات تحتوي على حك وشطب.

وينص الباب الثاني المادة ٣ من قانون الأحوال المدنية العراقي على أن “من مهام المدير العام ان يحدد نماذج السجلات والاستمارات والوثائق الرسمية المتعلقة باعمال المديرية العامة ويعين كيفية استعمالها وله ان يضيف اليها ما يراه ضروريا من هذه النماذج” وهو مايسمح له ان يجعل الطبع بواسطة الحاسبة بدل خط اليد وان يكون التقديم الكترونيا بدل الاوراق المعرضة للتلف، وان يتم اضافة رقم الهاتف ايضا تحسبا لضياعها او لاي مراجعة لدوائر اخرى .

البطاقة الوطنية الموحدة

ويجري العمل في المحافظات العراقية على اصدار البطاقة الوطنية الموحدة التي تغني عن المستمسكات الاخرى ، إلا أن دخول داعش إلى محافظة نينوى التي كانت قد أجرت الاستعدادات لإصدارها نسف المشروع ولم يتم حتى الآن الإعلان عن الشروع بالمتطلبات الأساسية لها.

ويتسائل عمار أحد مراجعي دائرة الاحوال عن سبب التلكؤ في إصدار المستمسكات بينما قامت الدولة بإصدار بطاقة الناخب بصورة سريعة وتم إيصالها الى كل المناطق السكنية في العراق بدون أن يبذ المواطن أي جهد في تثبيت معلوماته.

أيام المراجعة

دائرة الأحوال في نينوى كانت حددت أياما لمراجعة المواطنين وذلك بيومين لكل منطقة، لكن الاجراءات والروتين الطويل المتبع في سير المعاملات يحتاج عدة ايام وهو مايعرقل عمل الجدول ويضطر المراجعين الى المجيئ للدائرة في تاريخ اخر ، وبالتالي يرفع الزخم الحاصل على الباب الرئيسي وعلى الغرف الداخلية دون ايجاد حل لها .

أم محمد التي كانت تتوسل الشرطي الذي يقف على الباب أن يدخلها، قالت لنا أنها لاتستطيع الدخول بسبب مرور أيام مراجعة منطقتها، لكنها مضطرة للمجيئ لحاجتها للهوية في معاملة التعويض التي تسير بها بعد تعرض منزلها للقصف ، ومثلها كثير .

الرشوة

وصل سعر إصدار هوية الأحوال في الموصل إلى ١٥٠ الف أي مايعادل ١٢٠$ ، وهو موضوع شائع جداً بين الناس، وهناك سماسرة يتعاملون في هذا الموضوع بصفة ( معقب ) أي من ينوب عنك في التنقل بين أروقة الدائرة.

ويضطر من يحتاج إلى هوية بصورة سريعة دون أن يرهق نفسه ويتكلف عناء المراجعة أن يعلن عن حاجته لها عبر اصدقائه واقاربه فيجد عشرات الارقام لمعقبين متعاونين مع موظفين في الدائرة سراً.

أبو حيدر إسم وهمي لاحد المعقبين، اتصلنا به ، وبعد أن قرأنا على مسمعه كلمة السر ، تأكد أننا لسنا جهة راقبة ، قال إنه يمكن أن ينجز المعاملة بيومين وبسعر ١٠٠ $ في دائرة الأيسر ، و١٢٠ $ في الأيمن بسبب ضيق الإجراءات.

أما عمر الذي يسكن خارج الموصل فيقول إنه حصل على تجديد هويات عائلته دون أن يرى المعقب أصلاً، وذلك عبر الهاتف، حيث يقوم بإرساله الى موظفين كان قد اتفق معهم متجاوزا طوابير المراجعين، ثم يتم تسليم المبلغ المتفق عليه في احد مكاتب الإستنساخ الخارجية.

زيارة المحافظ والدوام المسائي
وكان محافظ نينوى نوفل العاكوب زار دائرة الاحوال في الجانب الايمن قبل نحو شهرين واطلع على الزخم ووجه بعمل دوام مسائي وزيادة عدد الحاسبات والطابعات المستخدمة، لكن المشكلة لم تحل بشكل كامل، ويظهر الفيديو الذي بثته قناة سما الموصل المحلية أن الدائرة لاتستعمل الحاسبات التي سلمت لها وهو ماخلق حالة كبيرة من الفوضى وزخم من المراجعين.
بينما نشر موظفو الدائرة ومديرها صورا على مواقع التواصل تظهر بقائهم الى وقت متأخر من الليل لانجاز معاملات المراجعين.

مشاكل وحلول
مشكلة الزخم هي اكبر مشاكل الدائرة، وعدم وضوح المطالب وكثرة التحويل بين غرفة واخرى وفقدان سجلات قديمة بسبب داعش مشاكل أخرى لاتزال حلولها ترقيعية، ولعل اهم الحلول وافضلها هو الاستمارة الالكترونية التي تسمح لمن يريد الحصول على بطاقة الهوية أن يرسل المعلومات المطلوبة عبر الانترنت ويتولى موظفو الدائرة القيام بانجازها واتمامها ثم الاتصال على المتقدم لاستلامها، وهو امر في غاية السهولة، لكنه لايطبق.

وكان أول تشكيل لدوائر الاحوال المدنية او ما كانت تسمى دوائر نفوس سنة ١٩٢٦ ، ثم تطور عملها الى تسجيل الولادات والوفيات واثبات البيانات العائلية والشخصية كالزواج والطلاق وعنوان السكن وتاريخ الولاده وغير ذلك من المعلومات التي تثبت اعداد السكان المكلفين بالخدمه الالزامية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى