مرحلة ما بعد داعش في نينوى “شبابية بامتياز”

نوزت شمدين

ليس صحيحاً أن التغييرات الإدارية اللافتة التي تشهدها مدينة الموصل حالياً، قد جاءت نتيجة لتقرير لجنة تقصية الحقائق البرلمانية كما يحاول البعض الترويج لذلك.  فهذه اللجنة قدمت قائمة طويلة من المطالب التي يفترض أنها  شعبية لرئاسة مجلس النواب. لكن ولأسباب سياسية لم يتم التصويت إلا على عدد ضئيل منها، فصدر القرار هزيلاً ولا يمس بنحو كبير حياة المواطنين المتلهفين للتغيير.

حقيقة ما حدث في الموصل، انتفاضة شبابية خالصة بوجه الظلم والفساد. انتفاضة مرت بأطوار عديدة تزامناً مع بدء حرب التحرير من سيطرة داعش في  أكتوبر 2016 وصولاً الى ذروتها بعد حادث غرق عبارة في مياه دجلة أودى بحياة العشرات من الأشخاص غالبيتهم نساء وأطفال. إذ أجتمع المئات من الشبان الغاضبين في محل الحادث، وواجهوا المحافظ نوفل العاكوب وأفراد حمايته المعروفة باستهتارهم واعتدائهم على المدنيين، وعبروا وجها لوجه عن سخطهم ورفضهم ورغبتهم غير القابلة للنقاش في التغيير. ولم يتراجعوا امام تهديد ووعيد المحافظ، الذي أمسك بمقود السيارة بدلاً من سائقه وعبر الحاجز البشري الشبابي بعد أن دهس ثلاثاً من مشكليه، ليؤكد بنحو قاطع عدم أهليته ليكون محافظاً.

الشبان واصلوا احتجاجهم وسلموا رئيس الجمهورية برهم صالح الذي تواجد في المكان بدوره قائمة من الطلبات لنقلها الى الحكومة العراقية وتنفيذها على وجه السرعة، وكان على رأس تلك الطلبات، إحالة جميع المتسببين بغرق العبارة والفاسدين في مؤسسات نينوى الحكومية الى القضاء مع إجراء تعديلات في كافة المفاصل الإدارية في المحافظة.

وعزز شباب الموصل احتجاجهم السلمي بحملة واسعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وضعوا لها عنواناً : ( لن نسكت ). ولم تمضي سوى ساعات قلائل حتى قدمت رئاسة الوزراء طلباً الى مجلس النواب العراقي لإقالة المحافظ، فحدث الأمر بإجماع نادر، ثم تم الاعلان عن تشكيل خلية أزمة لإدارة المحافظة ضمت مدنياً هو مزاحم الخياط رئيس جامعة نينوى ورئيس لجنة الاعمار، وقائد عمليات نينوى مع قائد الشرطة. وأحالت النزاهة وبسرعة خاطفة العشرات من الموظفين الى القضاء بينهم موظفون كبار في ديوان المحافظة وأقيل رؤساء عدد من الدوائر كالتربية والبلدية والتسجيل العقاري. أتبع ذلك إعفاء نائبي المحافظ من منصبيهما وصدر قرار بالقبض على المحافظ المقال الذي أصبح هاربا في أقليم كردستان. مع اعتقال المسؤولين عن إدارة الجزيرة السياحية التي شهدت كارثة العبارة.

في غضون ذلك تعامل الشباب المحتجون بوعي كبير، وأصدروا بيانا أعلنوا فيه وقف مظاهر احتجاجهم لكي لا يستغلها اي طرف سياسياً او تخريبيا. ولا سيما أن المطالب وصلت الى أعلى مستويات الدولة وبُت فيها على الفور. وأشاروا في بيانهم بأنهم سيكتفون بالضغط عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

أكد الشباب بذلك استفادتهم من درس الاعتصامات والاحتجاجات الشعبية التي جيرتها أحزاب سياسية في نينوى لنفسها قبل 2014، حتى وقع الشرخ الكبير في جدار الأمن استغله داعش ليستولي على نينوى ويعيث فيها فساداً.

واصل الشباب مساهمتهم في تغيير واقع محافظتهم، ووضعوا أنفسهم رهن أشارة خلية الأزمة وصاروا عوناً وسنداً حقيقيين لها. وأطلقوا حملة واسعة أسموها (بدينا )  أسهمت في تحشيد شعبي واسع للمشاركة في حملة تنظيف لجانبي مدينة الموصل وشارك الشباب أنفسهم فيها. وساندوا قرارات مهمة تمس حياة الاهالي اليومية طبق بعضها والآخر ينتظر كخفض اجور كهرباء المولدات الأهلية، وأجور الأطباء، ورفع الحواجز عن الطرق وغيرها من الإجراءات.

هؤلاء الشباب هم أنفسهم الذين نظموا أو شاركوا بحملة لرفع الأنقاض في جامعة الموصل وأقاموا مهرجاناً للقراءة فيه ودخان حرب التحرير لم يكن قد انقشع بعد عن جانب المدينة الأيمن. ثم سلسلة من الفعاليات والأنشطة الثقافية وحملة لرفع الأنقاض في الجانب الأيمن لمدينة الموصل. وأسسوا ملتقيات ورصيفاً للكتب ومقاهٍ مارست ادواراً مجتمعية وثقافية. والأهم من كل ذلك رأياً عاماً بان الموصل لن تعود إلى الوراء. أثمر كل ذلك عن جيل كسر حاجز اللامبالاة القديمة. مستقل تماماً عن أي تيار سياسي ومتشبع بالانتماء الى العراق ورفض كل دعوات الابتعاد عن المركز (بغداد ).

التحرك الشبابي هذا هو الأول من نوعه في نينوى منذ عقود. ويشير الى مستقبل قريب وواعد ينتظر هذه المحافظة التي عانت زمنا طويلا بسبب الارهاب والفساد الحكومي. فالشبان أثبتوا مقدرة وإمكانية على تحمل المسؤولية. وبينهم أسماء يمكن الاعتماد عليها ممثلة لأهالي نينوى في مجالس النواب والمحافظة والاقضية والنواحي المقبلة وتولي مناصب إدارية كانت حكراً على النزعة العشائرية والاغتنام الحزبي للفرص.

مرحلة ما بعد داعش في نينوى يمكن وصفها بأنها مرحلة شبابية بامتياز، شعارها السلام وهدفها بناء مجتمع جديد يتسع للجميع بمختلف المكونات والانتماءات القومية والطائفية. ويبدو أن الخطوات واسعة بهذا الاتجاه وكل ما علينا فعله أن نكون ايجابيين إلى أقصى ما يمكننا ليتحقق لنا ما حرمنا منه عمرنا الذي فات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى