Site icon المنصة

ممرضة عراقية تروي حكايتها مع المهنة

المنصة – منار الزبيدي

هناك مثل عراقي قديم ينطبق تماما على النساء اللواتي يعملن كممرضات في المستشفيات العراقية، إذ لا أحد يقدر جهودهن في العمل وتطالهن نظرة استصغار من المجتمع الذي ينتقد العاملات في مهنة التمريض.

وقصة المثل هي ان سيدة عراقية أسمها “شمهودة” تعيش في الريف توصف بأنها طيبة القلب و بسيطة متواضعة وتحرص دائماً على تقديم الخدمة لجميع الناس، ولكن  في كل مرة  لا تحصل على أي اهتمام أو رعاية و كان الجميع يستصغرها و لا يثمن جهودها.

وفي احد الأيام طُلب منها ان تشارك مع النساء في مجلس عزاء وكانت شمهودة  اشد النساء بكاءً و قسوةً على نفسها لمواساة أهل المتوفى.

ولكن بعد انتهاء مجلس العزاء وحضور وجبة الطعام لم يسمح  لها بالجلوس مع النساء الاخريات وطلب منها أن تنتظر  لتأكل مع  الصغار بعد أن ينتهي الكبار من الطعام، ومنذ ذلك اليوم و العراقيون يتداولون المثل “شمهودة تلطم مع الكبار و تأكل مع الصغار” في إشارة إلى عدم تقدير جهود الإنسان المجد واستصغاره مهما كان حجم عطائه كبيراً.

وربما ينطبق حال السيدة الذي ذكرها المثل على العاملات في مجال التمريض، فهن يقدمن الكثير للمجتمع لكن لا احد يقدر جهودهن.

رئيسة الممرضات في مستشفى الديوانية التعليمي أمل البديري (59عاما) كانت تتمنى أن تصبح ممرضة ترتدي الزى الأبيض وتطوف بين المرضى تعطيهم العلاج وتمنحهم الحياة، وهذه كانت أمنية طفولية بريئة تحققت لاحقاً وظلت مستمرة في عملها منذ 43 عاماً و حتى الآن.

تقول البديري “أحببت هذه المهنة لأنها خدمة إنسانية فيها مساعدة للناس في كل مكان وزمان، فانا لا أساعد المرضى الراقدين في المستشفى فحسب وإنما أقدم المساعدة لكل إنسان ومنهم أفراد أسرتي وجيراني وأصدقائي وأقاربي وخاصة الفقراء منهم ،وهذا هو المنجز الإنساني الذي افتخر به كوني منقذة يقترن اسمي بالمساعدة”.

وتضيف “رغم عمري المهني الطويل إلا أنني مازلت اعمل بشكل يومي حتى في الليل وأيام العطل  لأساعد النساء المريضات خاصة في الحالات الطارئة، فإحساسي العالي بالمسؤولية يمنعني من الجلوس في البيت خلال الاستراحة لأني  اعلم بأهمية تواجد الممرضة في المستشفى وهذا ماتعلمنا  نحن ممرضات الزمن الماضي”.

ورغم انشغالها في العمل إلا أنها استطاعت أن تؤسس أسرة ناجحة متماسكة و متعلمة وهي تشعر بالرضا دائما عندما ترى أولادها وبناتها يواصلون مشوارهم العلمي و يفتخرون بها أمام الجميع، وهذا ما تعتبره البديري ثمار جهودها على مدى سنوات مضت.

في العراق مازالت الكثير من الممرضات تعاني نظرة مجتمعية قاسية إذ تصدر عليها أحكاماً مسبقة بالابتزاز أو الرشوة لأن معظم الممرضات يطلبن بغشيشاً من المرضى داخل المستشفيات فضلاً عن ان مهنة التمريض تتطلب من العاملين فيها الالتزام بمواعيد الدوام الليلية والخفارات فيرى الكثيرون ان مهنة التمريض هي للرجال وليست من اختصاص النساء.

وفي ثمانينات القرن الماضي صدر قرار من الحكومة العراقية بإجبار جميع خريجات المعاهد والجامعات بالعمل كممرضات لعام واحد قبل ان يحصلن على وظائف حكومية في اختصاصاتهن، ومن ترفض العمل كممرضة لمدة عام كامل لا تحصل على اية وظيفة حكومية، وتردد حينها ان شريحة الممرضات قدمن شكوى الى الحكومة بخصوص النظرة المجتمعية لهن فاتخذت الحكومة هذا القرار لتغيير تلك الصورة النمطية عن النساء اللواتي يعملن في المهنة.

تقول البديري “نحن نبذل كل جهودنا في العمل ونضطر أحياناً لبذل جهود إضافية ونتحمل أعباءً كبيرة بسبب قلة الكوادر النسوية، لكن مازال الظلم و العار المجتمعي يلاحقنا، الأمر الذي دفع أغلب زميلاتي  إلى ترك العمل داخل المستشفيات وذهبنَّ إلى  أماكن أخرى تجنباً للمسؤولية والعمل الليلي ليتخلصنَّ من كلام الناس الذي سيؤثر على سمعتهن مستقبلا”.

ومن الشائعات التي يتناقلها بعض الناس حول الممرضات انهن يقمن علاقات غير شرعية مع الأطباء أثناء الخفارات الليلية وهذه الفكرة النمطية دفعت الكثير من العائلات العراقية الى منع بناتهم من الدخول الى اعداديات وكليات التمريض.

وتعلق البديري على الامر وتقول “تضطر بعض زميلاتي إلى اصطحاب احد أفراد الأسرة في حال كلفنَّ بواجب ليلي داخل المستشفى  وإلا فلن يسمح لهنَّ بذلك”.

وتتحدث ممرضة اخرى عن  اهم المعوقات في العمل وتقول  “نتعرض إلى تحرش لفظي ومضايقات باللمس و الألفاظ النابية والمخجلة الصادرة أحياناً من مرافقي المرضى أو من زملاء العمل، مما يجعل الكثير من الممرضات الشابات يتجنبن العمل في دائرة الاحتكاك مع المرضى والكوادر الطبية الأخرى”.

المشكلة الأخرى التي تواجه الممرضات هي الاتهام بالتقصير والاعتداء عليهن بالسب والشتم عند وفاة احد المرضى الراقدين في المستشفى “غالباً ما يتهموننا بالتقصير في العمل وكأننا وحدنا نتحمل مسؤولية حياة المريض” تقول البديري.

 

 

Exit mobile version