لماذا دمج “الحشد الشعبي” في قوات الامن العراقية غير قابل للتطبيق؟

 

المنصة – مصطفى حبيب

السعي لدمج قوات “الحشد الشعبي مع قوات الامن العراقية غير قابل للتطبيق لأسباب عدة ابرزها ان فصائل الحشد في الاصل ليست متجانسة، وحتى لو تم دمجها، من سيأخذ التحية العسكرية للطرف الاخر؟

في شباط (فبراير) 2016 كان رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي الرجل الاكثر شعبية بين العراقيين وهو يدير الحكم وقوات الجيش تحقق الانتصارات على داعش. حاول تعزيز صورته كرجل دولة، وقرر دمج فصائل “الحشد الشعبي” مع قوات الامن، لكنه تلقى صفعة قاسية برفض شديد من الفصائل، ودفع الثمن باهضا عندما خسر منصبه رئيسا للوزراء.

يدرك رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي مأساة سلفه العبادي، ومنذ تسنمه المنصب يحاول عبد المهدي تجنب اخطاء العبادي الذي اتهم بوقوفه الى جانب الولايات المتحدة على حساب ايران، ينتقي عبد المهدي كلماته وبياناته بحذر خشية الوقوع في فخ الانحياز، ولكن قراره الاخير لتنظيم امور “الحشد الشعبي” اوقعه في مأزق.

اصدر عبد المهدي الاسبوع الماضي قرارا جديدا يسعى لاخضاع قوات “الحشد الشعبي” للحكومة، والقرار في الحقيقة ليس جديدا، اذ سبق وان اصدر رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي قرارا اكثر وضوحا في اخضاع قوات الحشد لسلطة الدولة، وفشل في ذلك.

القرار الجديد يدعو الى اغلاق جميع مقرات الحشد داخل المدن وخارجها، وان تتخلى عن اسمائها ذات الطابع الديني المرتبطة بشخصيات واماكن تاريخية دينية مرتبطة معظمها بالمذهب الشيعي، وتحمل الويتها ووحداتها العسكرية ارقام معروفة كما هو الحال مع الجيش، على ان يعمل الحشد وفق القانون الخاص به الذي اقره البرلمان في العام 2015 ويكون له رئيس يتم اختياره من قبل رئيس الوزراء باعتباره القائد العام للقوات المسلحة.

رحبت اغلب الفصائل في القرار بينهم مقتدى الصدر الذي يمتلك فصيل “سرايا السلام”، باستثناء تلك المعروفة بأسم “فصائل المقاومة” القريبة من ايران، مثل “كتائب حزب الله” و”النجباء” و”كتائب سيد الشهداء” التي تحفظت على دمج قوات الحشد في الجيش، ليست مصادفة ان تكون هذه الفصائل هي نفسها التي وقفت بوجه قرار رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي.

ولكن مشكلة دمج الحشد اكبر بكثير مما تبدو عليه، تتركز النقاشات حول دمج هذه القوات مع قوات الامن العراقية، ولكن المشكلة الحقيقية التي يغفل عنها الجميع هي ان الفصائل التي يتكون منها الحشد ليست متجانسة مع بعضها في الاصل، كما ان ظروف تشكيل الحشد اوجدت ظروفا تصعّب من دمجها مع اي شئ اخر.

لا يبدو قرار عبد المهدي الاخير جديدا بالمرة، حتى ان بعض المقربين من الحكومة يعزونه الى انها حركة استعراضية من الحكومة التي تجاهد للحفاظ على حيادها بين اميركا وايران، وهذه الحركة جائت بعدما تبين ان القصف الذي استهدف منشئات نفطية داخل الاراضي السعودية لم ينطلق من اليمن كما هو معلن، بل انطلقت الطائرات بدون طيار من العراق، وابلغ الاميركيون الحكومة صراحة بذلك، وكان على الحكومة اتخاذ اي خطوة لاثبات نفسها.

في شباط (فبراير) 2016 اصدر رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي امرا بتعيين الجنرال محسن الكعبي (قائد سابق للشرطة الاتحادية) رئيسا للحشد الشعبي بديلا عن ابو مهدي المهندس في محاولة من الحكومة للسيطرة على ادارة الحشد، ولكن الفصائل القريبة من ايران رفضت ذلك بشدة، وفي حينها قالت “كتائب حزب الله” ان “قوات الحشد هي فصائل عقائدية جهادية لها سياقات إدارية وتنظيمية تختلف عن السياقات الكلاسيكية المتبعة في المؤسسة العسكرية، وقيادتها تقتضي الخبرة في الحروب غير التقليدية التي تتميز بسرعة الحركة والمناورة والتغيير الفوري للخطط وفقاً لما يتطلبه الموقف الميداني”، هذه حقيقة لا تخلو من بعض الصحة.

يقول ضابط كبير في قوات الجيش لـ “المنصة” ردا على سؤال كيف يرى سيناريو مفترض لدمج مقاتلين من الحشد الشعبي مع اعضاء وحدته العسكرية، ويقول: “رغم خبرتي الطويلة، لا امتلك خطة واضحة، ضباط الجيش يتدربون ثلاث سنوات في اكاديمية الجيش ليحصلوا على رتبة ملازم، وكذلك الحال مع الجنود الاقل رتبة، لا اعرف كيف سيكون الموقف عندما يكون عناصر الحشد مع عناصر الجيش؟ هل سيلقون التحية العسكرية على الضباط الاعلى منهم رتبة؟ الامر الاخر ان مقاتلي الحشد يمتلكون شعبية واحتراما حتى بين قوات الجيش، كيف يمكن توجيه الاوامر، ومن يطلقها؟”.

عندما اطلق المرجع الشيعي علي السيستاني فتوى لمحاربة “داعش” انضم الاف من العراقيين في فصائل مسلحة عرفت لاحقا بأسم “الحشد الشعبي” ونالت اعتراف البرلمان العراقي، وهؤلاء المقاتلين لم يخضعوا لمعايير العمر والمهارة وبعضهم لا يعرف القراءة والكتابة، فالخطر كان اكبر من الانشغال في ذلك عندما اقترب داعش من ضواحي بغداد، والحديث عن دمجه مع عناصر الجيش الخاضعة لمعايير عسكرية صارمة لا يخلو من العقبات.

ولكن القضية الاكثر عمقا في المشكلة تكمن في فصائل الحشد نفسها، فهي غير متجانسة مع بعضها كما يتصور الكثير، بل ان خلافات عميقة موجودة بين بعض هذه الفصائل، كما ان اهدافها وطموحاتها متباينة، وولائها والتنظيم الاداري والانتماء العقائدي والمرجعية الدينية والسياسية وجهة التمويل والتسليح ليست متشابهة.

تصنّف الفصائل الى ثلاثة اقسام اساسية، الفصائل القريبة من ايران وتتخذ من المرشد الايراني علي خامنئي مرجعا وقائدا دينيا لهم وبينها “كتائب حزب الله” و”النجباء” و”عصائب اهل الحق”، الفصائل التابعة للاحزاب السياسية الشيعية وابرزها “سرايا السلام” التابعة الى مقتدى الصدر، والفصائل التابعة الى المرجع الشيعي علي السيستاني.

تسعى الفصائل الموالية لايران لابقاء قوات “الحشد الشعبي” مستقلة عن الدولة، وتتبنى اهداف سياسية باتجاه تغيير الديناميكية السياسية القائمة على النظام البرلماني والانتقال الى نظام رئاسي، كما ان لها مواقف سياسية متشددة ازاء اقليم كردستان، وتتحفظ على التظاهرات الشعبية التي تنطلق كل صيف وتعتبر ان ورائها اطراف دولية.

في المقابل تؤيد الفصائل التابعة الى السيستاني والصدر الاندماج مع قوات الامن العراقية، وليس لديها اهداف سياسية كبيرة في تغيير النظام السياسي القائم، وتقف جنبا الى جنب مع التظاهرات الشعبية المطالبة بتوفير الخدمات.

مع هذه الاختلافات الكبيرة، فان دمجها مع بعض يبدو مستحيلا، كيف يمكن لعنصر في فصيل مسلح مثل “سرايا السلام” تطبيق ما يمليه عليه مسؤوله الاعلى مثلا من فصيل “عصائب اهل الحق”، ومعلوم ان كلا الفصيلين متخاصمين وصلت الى درجة الاشتباكات المسلحة في السابق.

ان الدعوات المحلية والدولية لدمج قوات “الحشد الشعبي” مع قوات الامن العراقية غير منطقية، ولن تتحقق على المدى القصير والمتوسط، اذ ان ظروف تأسيسها وخلافاتها واهدافها تحول دون تطبيق ذلك، واحد اكثر القرارات المهمة التي اتخذتها الحكومة لضمان ولاء الحشد واخضاعه للقوانين كان قرار صرف مرتباتهم من الحكومة خلال موازنة 2019، وان استمرار الحكومة ذلك خلال السنوات المقبلة سيجعلها اكثر قوة ونفوذا على الحشد ما يسهل مهمة البحث عن سيناريوهات لتحديد مصير هذه القوات.

مقالات ذات صلة

‫21 تعليقات

  1. Greetings from Colorado! I’m bored to death at work so I decided to browse your site on my iphone
    during lunch break. I really like the knowledge you present here and can’t wait to take a look when I get home.
    I’m surprised at how fast your blog loaded on my cell phone ..

    I’m not even using WIFI, just 3G .. Anyways, wonderful blog!

  2. Hey I am so delighted I found your site, I really found you by mistake,
    while I was browsing on Google for something else, Regardless I am here now and would just like to say cheers for a tremendous post and
    a all round entertaining blog (I also love the theme/design), I don’t have time to go through it all at the moment but I have bookmarked it
    and also added your RSS feeds, so when I have
    time I will be back to read more, Please do keep
    up the superb jo.

  3. The other day, while I was at work, my sister stole my iphone and tested to see if it can survive a 30 foot drop, just
    so she can be a youtube sensation. My iPad is now broken and
    she has 83 views. I know this is entirely off topic
    but I had to share it with someone!

  4. I do not know whether it’s just me or if everybody
    else encountering issues with your website. It appears as if some of the text on your content are running off the screen. Can somebody
    else please provide feedback and let me know if this is happening to them as well?
    This could be a problem with my internet browser because I’ve had
    this happen before. Many thanks

  5. I’m really inspired with your writing skills and also with
    the structure on your weblog. Is this a paid subject
    matter or did you customize it yourself? Anyway stay up the
    excellent quality writing, it’s uncommon to look a great
    blog like this one nowadays..

  6. Pretty nice post. I simply stumbled upon your weblog and wished to mention that
    I’ve really loved browsing your blog posts. After all I’ll be subscribing for your feed and I am hoping you write
    again very soon!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى