رحلتي مع مهنة المتاعب

مفارقة غريبة تصادفني في أول ايام عملي الصحفي في مجلة الف باء وهي المجلة الاولى والاكثر انتشارا  في العراق ايام الثمانينات من القرن الماضي وهي اتهامي بأني سرقت جهد غيري وان احدهم كتب لي التحقيق الصحفي  ولست انا من كتبته، والسبب كما عرفته لاحقا انه مكتوب بشكل حرفي ولا يبدو ان صاحبته مبتدئة.

المفارقة هي ان شعورا بالزهو انتابني وليس الزعل وانا احاول تقديم الاثباتات بأني وحدي كاتبة التحقيق وكنت انتظر اقتناع لجنة الفحص التي رخصت لي النشر بعد مطالبتي بالتواصل بنفس الاسلوب، والحقيقة التي لا يعرفها الجميع وقتها اني استهلكت في التحقيق الاول اكثر من شهر ونصف من المراجعات والتدقيق وجمع الادلة وترتيبها واعادة صياغتها، كما لو اني اخضع لاختبار مدرسي حتى ان والدتي كثيراً ما كانت تردد بلهجتها المستنكرة “شنو بعدج بالكلية وتدرسين”؟

رحلة العمل الاعلامي في السنوات الاولى تبقى راسخة في الذاكرة، فحلم مجاورة اسمي لكبار الكتّاب والصحفيين الذين كنت اقرأ لهم مدعاة للفرح والتواصل، ولا زلت اتذكر ان اول  خبر نشرته وحمل اسمي كان في جريدة الجمهورية في صفحة الاخبار المحلية، تلك الصحيفة التي بدأ فيها الكثيرون من زملائي.

حينذاك لم احصل على أجور عمل لسنة كاملة كنت اريد التعلم فحسب وكنت احصل على المال من امي التي زاد استغربها وكانت تسألني وتقول “شنو حتى راتب ماينطوج”.

كانت الفرصة الذهبية بالنسبة لي هي عملي بعدها  بعقد سنوي في مجلة “الف باء” نهاية عام 1998، دخلت آنذاك تلك العائلة بحذر لكن حذري تلاشى بسرعة  لما لمسته بينهم من ألفة وتعاون، لازلت اتذكر التحقيق الثاني الذي كتبته وكان عن شبكة الانترنت واهميتها وحرمان الشعب منها، وقتها استدعاني  سكرتير التحرير آنذاك الاعلامي حسين فوزي وطالبني بتعديل كتابته والتخفيف من حدته، وان لا تكون الاتهامات مباشرة، قائلا “كلنا بدأنا مثلك متحمسين لكن هذا لا ينفع في الصحافة العراقية اليوم”

صعوبات تلك المدة من العمل  كانت كثيرة اهمها العمل اليدوي المتعب وشحة المطبوعات وقلة الرواتب حتى ان موضوع التعيين في دوائر الدولة ومنها الصحافة الحكومية يحمل الكثير من السخرية وعدم الاهتمام، إذ فضل زملائي الخريجين من قسم الاعلام كزملائهم من الدفعات السابقة الجلوس في البيت بدلاً من التعب والدوران في الطرقات بحثاً عن الاخبار مقابل أجر زهيد جدا.

لم تكن شبكة الانترنت نصبت بعد في العراق آنذاك وكان العمل يجري بشكل يدوي بطيء، ينطلق الصحفيون صباح كل يوم مثل “عمال المسطر” لجمع الاخبار والمعلومات والصور مشياً او باستخدام حافلة (التاتا) الشهيرة والعودة من جديد الى المقر لكتابة الاخبار وتنقيحها وبعضهم يضطر للبقاء حتى المساء لإكمال التقرير لذي يكتبه تمهيداً لنشره في اليوم التالي.

محطات كثيرة صعبة اجتزتها قبل ان يصبح عملي الصحفي امرأ واقعاً، فشقيقي الاكبر كان رافضا لفكرة العمل رفضاً قاطعاً لامجال للعدول عنه، وقضيت شهوراً طويلة اخوض وحدي  اعتصامات وتظاهرات وحملات بكاء وعويل في البيت احتجاجاً على قراره بمنعي من العمل في مجال الصحافة وكنت ألجأ الى الاصدقاء واطلب منهم التدخل السلمي بيني وبين شقيقي حتى وافق بشروط تعجيزية وقتها. لكن المهم انني استطعت العمل في المهنة التي كنت احلم بها، ولو عاد بي الزمن الى الوراء لاخترتها نفسها وزدتها بتطوير المهارات والخبرات، فالصحافة بحر كبير نبقى نتعلم وننهل منه مهما كبرنا وان اشتهرنا وكسبنا القراء والمتابعين، كما انها صوت ومرآة للناس  وخصوصاً الفقراء منهم.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى