الكوت تحتفظ برفاة البريطانيين والأتراك في مقبرتين منفصلتين

المنصة – محمد الزيدي

ما أن تصل إلى مدينة الكوت الواقعة على بعد (150 كلم) جنوبي بغداد حتى يأخذك الكوتاويون في نزهة لمقبرتين منفصلتين يضمان رفات لجنود بريطانيين وأتراك سقطوا في معركة “حصار الكوت” التي جرت وقائعها خلال الحرب العالمية الأولى.

المعركة جرت حينما حاصر الجنود العثمانيون مقر القوات البريطانية في الكوت عام 1915، إذ مرت سنوات طوال على الحادثة الشهيرة، لكن شواهد قبور تلك المقبرتين بقيت أرشيفاً لماض أرتبط بتاريخ العراق.

ورودٌ وأشجارٌ وكراسي وأماكن خاصة لرمي القمامة، كلُّ شيء موضوع بعناية داخل مقبرة الأتراك التي تضم رفات (52) جندياً تركيا قتلوا إِبان المعركة الشهيرة، ولم تستطع معاول الزمن هدمها.

المقبرة المطلة على نهر دجلة يبدو الولوج اليها أمراً سهلاً، والزائرون لها ملتزمون بشروط زيارة المكان التي من أهمها منع ادخال الكلاب وممارسة الرياضة والالتزام بالخرائط الموضوعة على جدران المقبرة.

وما أن تدخل إلى باحة المقبرة التي يحيطها جدار ضخم ويتوسطها نصب كبير لقائد في الجيش التركي، حتى يستقبلك أبو حيدر العابدي، الرجل المسن الذي أسندت إليه مهمة الإشراف على المقبرة بالتعاون مع السفارة التركية في بغداد.

“ترتفع داخل المقبرة اثنان وخمسون شاهداً من شواهد القبور لجنود جميعهم قتلوا في الحرب الشهيرة ومدوَّن على كلِّ قبر اسم القتيل وتاريخ مقتله ” يقول أبو حيدر لـ”المنصة”.

ويعكف حارس المقبرة على سقي الورود وأشجار الزينة التي تحيط بشواخص القبور التي بدت منظمة للغاية ويقول” هذه المقبرة واحدة من مقابر عديدة خاصة بالجيش العثماني تنتشر في بعض المدن العراقية، وتحضى باهتمام ورعاية كبيرة من الاتراك، كونها تمثل لهم رمزية خاصة”

الحفاظ على مثل هذه المواقع التاريخية يصفها أستاذ الدراسات الشرقية في جامعة واسط ماجد مشير تمثل جزءا من الحفاظ على تاريخ العراق.

ولأن مقابر الحروب شواهد تاريخية على أهمية المدن وحجم العدوان الذي تعرضت له، يحتضن “حي الجِديدة ” الذي لا يختلف عن تفاصيله عن أحياء الطبقات الفقيرة في الكوت مقبرة الانكليز التي تعود للحقبة نفسها التي تضم رفات (418) جندياً من ضحايا الحرب نفسها.

ويشير حال مقبرة الجنود البريطانيين الى طبيعة العلاقات بين العراق وبريطانيا، وبحسب المؤرخ الواسطي “مثنى حسن مهدي” فأن المقبرة كانت عبارة عن حديقة زهور غناء في عهد المملكة العراقية، إلا أن واقعها تدهور مع تدهور العلاقات بين العراق وبريطانيا، فقد اصيبت بالإهمال الواضح بعد العام 1958 لتنتهي بشكل نهائي بعد أحداث حرب الخليج الأولى ، إلى أن قامت قامت منظمة الكومنولث البريطانية عام 2014 بإعادة ترميم المقبرة، ضمن برنامجها بإعادة صيانة مقابر الجنود البريطانيين خارج المملكة المتحدة.

وتقول الرواية الرسمية إن المعركة خلفت مئات القتلى من الطرفين، لكن عميد كلية الآداب بجامعة واسط طالب الوائلي يقول بأن الشواهد التاريخية تشير إلى أن خسائر الدولتين في المعركة لا يقل عن (36) الف قتيل، لكن تأكيد او نفي الرقمين يبدو صعباً بعد مرور اكثر من قرن على الحادثة.

الوائلي يقول لـ”المنصة” بأن وجود هذه المقابر في العراق يمثل كنزاً تاريخياً وشاهداً ثقافياً يتطلب الحفاظ عليه لكونها تسجل تاريخاً حافلاً لسكان هذه المناطق الذين سيجهلون جزءاً هاما ًمن احداث التأريخ بدونها “.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى