عثمان الموصلي ينهض من قاعدة تمثاله عام 2164

وأخيراً عدت للحياة، بعد مئة وخمسين عاماً قضيتها داخل ثلاجة في مخبئ سري تحت دورة المحطة في الجانب الأيمن لمدينة الموصل، لم أشعر بآلام جسدية ولا حتى بلسعة برودة، وذاكرتي كانت على ما يرام بخلاف توقعات البروفيسور الألماني كلاوس سامس الذي أقنعني بالمغامرة في عام الدشاديش.

ولمن لا يعرف البروفيسور كلاوس سامس، هو من مدينة هامبورغ الألمانية، قرر عام 2014 تجميد نفسه  والنهوض بعد 150 عاماً، في عملية اطلق عليها( حفظ الحياة ). أما انا فالأمر بالنسبة لي كان يشبه ابتلاع حبة منومة لينطفئ العالم وأفيق بعدها وكأن شيئاً لم يحدث.

خرجت من بوابة صغيرة، اكتشفت أنها تقع ضمن قاعدة تمثال الملا عثمان الموصلي، تمثال برونزي ضخم بملامح مبتسمة بارزة يقبض في يده اليمنى على عصاه وفي الاخرى على أسطوانة موسيقية. وكُتب بلون ذهبي على لوح في جانب قاعدة التمثال الأيمن (الملا عثمان الموصلي 1854 – 1923 م – هدية نقابة الفنانين في الموصل 2162م )، نظارتي الخاصة بهذا اليوم منعت عني خطر أشعة ظهيرة تموز اللاهبة ويبدو أنها هي التي جذبت أنظار نحو عشرين سائقاً يعملون على خط بغداد هجموا علي دفعة واحدة وأنا اعبر الشارع صوب رأس الجادة وجميعهم يقسمون أنهم يحتاجون فقط الى (نفر) واحد فقط قبل الانطلاق في رحلة السفر.

اجتزت صفاً طويلاً من محال بيع المشتقات النفطية، توسطتها دائرة الجوازات والجنسية المزدحمة بسلسلة طوابير لفت المبنى مثل ضمادات وقبل عطفة الشارع اكتشفت أن طابور السيارات الممتد من محطة القطار كان ينتهي بمحطة الوقود فشعرت بنوع من الألفة، عززتها طرقاتُ( التنكجية) التي تشبه حفلاً موسيقياً فوضوياً تتناغم معها منبهات سيارات الأجرة القادمة من باب الطوب وضج بها الشارع المختنق مرورياً والمنطفئة إشاراته الضوئية كما الأيام الخوالي.

جذبتي روائح اللحوم الحمر المعروضة بسخاء على واجهات محال متقابلة، سرت بهدوء السواح على الجزرة الوسطية كانت دائرة الأحوال المدنية للجانب الأيمن على حالها وفي الجهة المقابلة، كتاب العرائض يمارسون هوايتهم القديمة في اصطياد الحائرين وهم يتصببون عرقاً تموزياً يغسل وجوههم.

أدهشتني قبة قبر البنت الذهبية بأعمدتها الأربع الفضية، والشاهد المرمري الذي كتب عليه بخط كوفي بارز( قبر أبن الأثير)- عز الدين أبي الحسن الجزري الموصلي 555630 هـ، وهو مؤرخ إسلامي كبير، من مؤلفاته ( الكامل في التاريخ – التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية، أسد الغابة في معرفة الصحابة،.اللباب في تهذيب الأنساب) – هدية الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين 2154.

تسرب صوت أذان الظهر القادم من جامع قضيب البان الى مسامات جسدي. حاولت ايجاد منارته لكن سور ملعب الإدارة المحلية الخاضع للتعمير كان أعلى من فضولي، فواصلت السير متخطياً جسر نفق البورصة وهناك شعرت بتعب وعطش شديدين، لم يطفئهما(دوش) ماء كانت تنهمر برودته امام محل لبيع المواد الغذائية، ومع كل شفطة ملأت بها فمي كنت أرى في وجوه العابرين نظرة عتاب، حتى سمعت إمرأة مسنة وهي تقول عن أحد ما: ” عمت عين الزلم اللي ما تصوم ” !!.

ثلاث سيارات أجرة صفر مع سيارتين خصوصي امتثلت لسبابتي الباحثة عن واسطة أجوب بها المدينة. السائق الأول خطفني بسيارته الـ (سايبا) موديل 2145 المسكربة، لكنها كانت ملبية لعائد مثلي الى الحياة بعد نوم دام قرناً ونصف القرن.

اضطررنا ونحن نشتعل من الحر للانخراط في زحام استمر عشرين دقيقة أمام مطب وسط الجسر الخامس، كان السائق ينبش قبور أجداد المحافظ ومدير بلدية الموصل بسبب سوء الخدمات، بينما أنا مسترخ أستمع الى برنامج الجسر العتيق عبر إذاعة شباب أف أم، وينقلني صوت المذيعة البلبلي الى ذكريات الزمن الجميل.

وعندما تناولت المذيعة ما دار في الجلسة الدورية( 57) لمجلس محافظة نينوى، قال السائق بغضب وهو يضغط على المنبه بنحو هستيري: ” بربك هذا حال واحد خريج هندسة وأعضاء المجلس الأفندية مرتاحين كدام أجهزة التبريد وسياراتهم مليانة بانزين وما يفكرون بينه “. ثم اخرج رأسه وشتم سائق سيارة أجرة تقدم عليه بنصف متر وعاد ليقول : ” ولا واحد منهم من مدينة الموصل، ويفكرون بس بالقرى اللي جو منها “. ثم رفع سبابته امام وجهي، وقال بعصبية واللعاب يتطاير من بين شفتيه : ” أقطعها وأرميها في مزبلة ولا أنتخب أياً من هؤلاء الكلاب “، بعدها تمتم بكلمات وهو يهز رأسه لم افهم منها سوى اللهم أني صائم.

مع انحدار المركبة البطيء نحو جسر سنحاريب بدت قباب جامع الموصل الكبير، كما تركتها في مطلع القرن الحادي والعشرين، لم يتغير منها شيء باستثناء لافتة كبيرة موضوعة على السور الخارجي كتب عليها بخط أسود كبير، بسم الله الرحمن الرحيم”  إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ “.

بالقرب من مبنى دائرة زراعة نينوى، أطفأ شرطي في نقطة تفتيش اعترضتنا لهفتي لإعادة اكتشاف المدينة،  فبعد أن اطلع على أوراق السيارة الرسمية، أدخل رأسه عبر نافذة السائق وقال لي بلكنة مائعة: “أبوية أنت لازم فرنسي، ليش ما تشلع المناظر”، ابتسمت لقلة الأدب المتوقعة دون ان أرد عليه أو أرفع نظارتي والعبارة الأنجليزية الشهيرة تتردد في بالي (لا تجادل شرطياً). انتفض مثل ثور وأخذ يصرخ متحدثاً عبر جهاز لاسلكي كان بيده وما هي إلا دقائق قليلة حتى تجمع حولي عناصر من مختلف أجهزة الأمن، سحبوني الى الساحة المقابلة لما كانت في زمني(مسرح أبن الأثير)، وبعد وابل من الصفعات والركلات ومطر الشتائم والسباب وصلت مركبات مصفحة سوداء كتب على جوانبها (مكافحة الإرهاب) ترجل منها عناصر ملثمون تحركوا نحو بسرعة خاطفة ثم اختفت الصورة ولم أستعد وعيي إلا وأنا أستمع الى صوت يطلب مني التوقيع على أفادتي. فتحت عينيّ بصعوبة فوجدت قلماً في يدي اليمنى وغاب بعدها كل شيئ مجدداً.

علمت وأنا في قسم الاصلاح رقم اثنين في سجن بادوش، بأنني اقضي فترة عقوبة السجن لعشر سنوات مداناً بالإرهاب وفقاً للمادة 8 من قانون مكافحة الارهاب لسنة 2124، مع إدانة بتزوير مستمسكات هوية الأحوال المدنية والجنسية العراقية وبطاقة السكن وورقة أخرى رفيعة وطويلة لم يعرفوا عائديتها، فيها اسمي وأسماء أفراد من عائلتي.

قضيت ثلاثة سنوات من الحكم وفي ليلة التاسع من حزيران عام 2164، سمعنا انفجارات عديدة وامتلأت الزنزانات بالدخان والضجيج وبعد ساعتين دخل علينا مسلحون ملثمون متشحون بالسواد، طلبوا منا الخروج لأنه يوم التحرير وإعلان الخلافة.

كانت عجلات عسكرية مصفحة تحترق على طول الطريق الغربي للمدينة، والشوارع الداخلية للموصل ضاجة بمركبات تزعق بالمنبهات وتعلو من مكبرات الصوت فيها أناشيد دينية من دون موسيقى وأناس خارجين من نوافذها محتفلين وفي أيديهم بنادق(كلاشنكوف و ام 16 ) بينما المئات من العائلات تنزح مشياً على الأقدام صوب الشمال والجنوب. كان الحزن والفرح ممزوجين على الوجوه دون أن يعرف أصحابها على وجه الدقة ما يجري. كنت قد وصلت للتو الى دورة المحطة عندما شاهدت شاحنة طويلة تبتعد حاملة تمثال الملا عثمان البرونزي على ظهرها وغمامة سوداء هائلة شكلها الدخان بدأت تغطي سماء الموصل.  كان الباب الصغير أسفل قاعدة تمثال الملا كما أوصدته، دفعته بهدوء وعدت الى ثلاجتي على امل أن تتغير الأمور بعد عمر آخر من الإنجماد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى