العطش يهدد سكان جنوبي نينوى

نوزت شمدين

أعتاد أهالي ناحية “تل عبطة” توجيه أنظارهم شمالاً بانتظار أن ترتفع غمامة الغبار التي تخلفها صهاريج المياه الحكومية الأربع وهي في طريقها إليهم لتروي مؤقتاً ظمئاً مزمناً عجزت عن إروائه الآبار المالحة.

على بعد فقط (73كلم)عن مدينة الموصل التي يقسمها نهر دجلة، تقع منطقة “تل عبطة” العطشى منذ عقود عديدة للمياه.  فمواطنوها الذين زاد عددهم عن خمسين ألفاً غير مخدومين بالمياه الصالحة للشرب.

الأمل الوحيد الذي راود سكان تلك المنطقة للحصول على المياه الصالحة للشرب هو تنفيذ مشروع ري الجزيرة الجنوبي صار حلماً بسبب الحروب المتلاحقة وتدهور الأمن، بينما مساحات أراضيهم الزراعية ومراعي مواشيهم تختفي يوماً بعد آخر بسبب الرمال التي تزحف عليها دافنة تحت كثبانها قرى ومجمعات سكنية بأكملها.

مدير ناحية تل عبطة محمد كنعان قال بأن مشكلة المياه الصالحة للشرب أكبر تحد تواجه إدارته وهي أزمة قائمة منذ تأسيس الناحية سنة 1958 ولفت إلى أن(24) مركبة حوضية كانت تنقل المياه قبل سيطرة داعش على المنطقة في حزيران 2014، لكن بعد تحريرها في كانون الأول 2016 لم تعد هنالك سوى أربعة مركبات حوضية وهي غير كافية مطلقاً لسد حاجة سكان مركز الناحية.

وحتى هذه المركبات الأربع وهي حكومية، يقول محمد كنعان بأن: ” المواطنين يدفعون المال لتجهيزها بالوقود نظراً لعدم توفيره من قبل الحكومة المحلية والمنظمات الدولية والمحلية التي تعاملت بأذن صماء إزاء جميع مطالباته بإيجاد حلول لمشكلة المياه”.

مشروع للمياه على الورق

وكانت منطقة تل عبطة وضمن دراسة ميدانية أجرتها مديرية الإحصاء في نينوى بالتعاون مع مديرية بلديات نينوى ومنظمة اليونيسيف للطفولة أكدت بأن 36 في المئة من السكان غير مخدومين بشبكة المياه الصالحة للشرب في جنوب نينوى وغربها وهم يحصلون على المياه من خارج شبكات المياه الصالحة للشرب.

مدير ماء نينوى المهندس نيلسن فلبس أكد عدم وجود أي مصدر للمياه الصالحة للشرب في ناحية تل عبطة وحتى الآبار الأرتوازية غير صالحة للإستهلاك، وان دائرته باشرت مؤخراً بمشروع ( القيارة-تل عبطة-الشورة) جنوب الموصل بعد تأخره لسنوات، لكنه يحتاج إلى سنتين ونصف السنة لإنجازه.

وقال ان الحل الوحيد المتاح لحصول الأهالي على الماء حالياً هو إمدادهم به بواسطة المركبات الحوضية(الصهاريج). وأن دائرته وفرت خمسة منها لنقل المياه الى تل عبطة من المناطق القريبة.

وتابع: “باستثناء هذا لا يوجد حل آخرى سوى العمل على زيادة اعداد لسيارات الحوضية. وقد أدرجت محافظة نينوى ذلك ضمن خطة تنمية الاقاليم لسنة 2019”.

مشروع المياه الذي تحدث عنه نلسن كان قد أقر ضمن خطة تنمية الاقاليم لسنة 2012 وبدأ العمل به فعلياً في العام التالي بعد أن تم شراء المواد اللازمة لتنفيذه ووصلت نسبة إنجازه إلى ثلاثة في المئة، بحسب قسم التشغيل في دائرة ماء نينوى قبل أن يتوقف العمل به عقب سيطرة تنظيم داعش على السلطة في نينوى. ليبقى المشروع في نسخته القديمة على الورق ومصير مواده المستوردة مجهولاً. ويدرج مرة أخرى ضمن خطة تنمية الاقاليم وصرفت له ميزانية جديدة.

لذا فمن غير محطة للمياه ولا آبار لا يجد الموظفون والميسورون خياراً سوى شراء المياه المعبأة للشرب والتي تنقلها اليهم مركباتهم الخاصة أو صهاريج تملأ خزاناتهم للاستخدامات الأخرى. أما الفقراء وهم الأغلبية الساحقة فليس امامهم سوى انتظار وصول المركبات الحوضية والمشاركة في صراع مرير للحصول على حصة مياه منها بأجور تناسب جيوبهم الخاويه.

خالد أبو وليد مزارع من سكان مركز ناحية تل عبطة ذكر بأنه ومنذ أن فتح عينيه في المنطقة قبل ستة عقود وأزمة مياه الشرب قائمة وآخر ما جادت به دائرة الماء هو بيعهم  المياه بين بسعر يتراوح بين (4-8) دولارات  لكل خزان الواحد سعة (1000 لتر).

ويضيف “ليس من مسؤوليتنا دفع أجور تزويد المركبات الحكومية التي تنقل لنا الماء بالوقود، لكننا نفعل ذلك كي نضمن استمرار وصول السيارات الينا ولا نريد شيئاً من الحكومة الآن سوى زيادة أعداد السيارات الحوضية وزيادة عدد المرات التي تزور فيها المكان فنحن ننتظر عشرة أيام أو اكثر في كل مرة لنحصل على كمية لا تكفينا من الماء سوى أيام قليلة لذا من الأفضل ان تحضر تلك السيارات الماء كل خمسة ايام”.

الصوت الانتخابي مقابل الماء !

ويبدو أن عيون الساسة التقطت بحس ما قبل الانتخابات حاجة الأهالي الملحة للمياه. لذا بادر تجمع “المشروع العربي” الذي يتزعمه خميس لاستثمار الفرصة وأعلنت إطلاقها حملة وصفتها بالكبرى لتوزيع مياه الشرب بواسطة الصهاريج في مركز مدينة تل عبطة والقرى المحيطة بها أطلقت عليها شعار “لن نعطش” بإشراف عضو مجلس محافظة نينوى عائد اللويزي.

ودارت الصهاريج شوارع الناحية حاملة لافتات فيها تفاصيل تشير الى الجهات التي ترعى المشروع بينما المواطنون غير آبهين سوى بخزاناتهم التي انتظروا بقربها مترقبين وصول حصصهم التي يعرفون جيداً بأنها مقابل أصواتهم الانتخابية.

مسعود فاضل احد من هؤلاء قال: ” السياسيون يعيشون على مشاكلنا ومن مصلحتهم عدم إيجاد حلول نهائية لكي نبقى في حاجة دائمة اليهم وإلى ما يعدونه مكارم وهي في الحقيقة أبسط حقوقنا التي لم توفرها الدولة” .

مياه الآبار الارتوازية غير صالحة للاستهلاك

ورغم انتشار مجموعة من الآبار الارتوازية في المنطقة لكن دراسة أكاديمية للمياه الجوفية في نينوى اجرائها باحثون من جامعتي تكريت والموصل هم أحمد خليل أبراهيم، وعبد المحسن شهاب، ووليد العبد ربه شملت( 27) بئراً إرتوازياُ في جنوب نينوى ان مياه تلك الآبار غير صالحة للشرب.

وأكدت نتائج الدراسة أن التكوينات الجيولوجية واحتوائها على صخور الجبس والصخور الكاربونية أثر بشكل كبير في تدهور نوعية المياه الجوفية وأنها غير صالحة للاستخدامات الزراعية وقسم منه صالح بشرط غسل التربة باستمرار مع إضافة الجبس.

وأوضحت الدراسة أن 37 في المئة من الآبار لا تصلح مياهها للزراعة ايضاً وهذا ما يفسر اعتماد المنطقة بأسرها على مياه الأمطار وانتظار ما تجود به السماء خلال موسمها لكن يبدو ان الرمال تزحف بسرعة تزيد عن خمس كيلو متر سنوياً بحسب تأكيد مسؤولين في الناحية.

الحكومة العراقية وفي عهد النظام السابق أقرت ومنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي مشروع ري الجزيرة العملاق وهو مكون من ثلاثة مراحل، أحدها وهو الجنوبي كان سيعيد الحياة إلى “تل عبطة” ومحيطها لولا الحروب المتلاحقة التي أوقفت المشاريع الاستراتيجية في البلاد.

السكان المحليون لا يهتمون كثيراً بحلول بديلة طالما كانوا غير قادرين على توفيرها بأنفسهم، لكن انظارهم لا تغيب ابداً عن صهاريج المياه، وبمجرد تصاعد غبار كثيف على الطريق المؤدي الى المكان يتراكضون مستبشرين ويهيئون خزاناتهم لاستقبال المياه.

 

تم نشر هذا الموضوع في موقع نقاش ، وتعيد المنصة نشره بالتعاون مع الموقع لاهمية مواضيع المياه وتأثيرها على حياة العراقيين.

 

 

مقالات ذات صلة

‫15 تعليقات

  1. Hello, I think your site might be having browser compatibility
    issues. When I look at your website in Safari,
    it looks fine but when opening in Internet Explorer, it has some overlapping.
    I just wanted to give you a quick heads up! Other then that, awesome blog!

  2. Hey there are using WordPress for your site platform? I’m new to
    the blog world but I’m trying to get started and create my own. Do you require any
    coding expertise to make your own blog? Any help would be greatly appreciated!

  3. Good day! Do you know if they make any plugins to help with SEO?

    I’m trying to get my blog to rank for some targeted keywords
    but I’m not seeing very good results. If you know of any please share.
    Cheers!

  4. Hi just wanted to give you a brief heads up and let you know a few of the images aren’t loading
    properly. I’m not sure why but I think its a linking issue.
    I’ve tried it in two different internet browsers and
    both show the same outcome.

  5. When I initially commented I clicked the
    “Notify me when new comments are added” checkbox and now
    each time a comment is added I get four e-mails with the same comment.
    Is there any way you can remove me from that service?
    Thank you!

  6. You really make it seem so easy with your presentation but I find this topic to be really something that I
    think I would never understand. It seems too complicated and very
    broad for me. I’m looking forward for your next post, I will try to get the hang of it!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى