عندما يكون الوعي مميتا للشباب

مفيد سالم

ثمة شيء حدث في بغداد والمحافظات الاخرى، شيء اوقد شعلته فِتْيَة خرجوا من اللاشيء. وهو فعلا اللاشيء بمعناه الوجودي والمعيشي حيث اطبق اليأس على النفوس.

وربما لا يكون جديدا على المتابع للمظاهرات التي اندلعت شرارتها في البصرة صيف العام الفائت، فهناك ارهاصات اولية حصلت في الجنوب وبغداد على حد سواء، تبلورت في الايام الماضية على شكل مظاهرات عارمة قادها وشارك فيها شباب لم تتجاوز اعمارهم عمر النظام السياسي القائم ولم تتخطها الا بسنوات قليلة، فهم ليسوا جيلا مرتبطا بإيديولوجية سابقة ولا بأي غطاء حزبي آنٍ، انهم جيل الوعي الجديد الذي برزت ملامحه في تظاهرات البصرة والمحافظات الجنوبية في السنتين الأخيرتين وبلغت وضوحها في العام الماضي, وتكرست قرابينها في بغداد العاصمة.

هؤلاء الذين تلقوا الرصاص بصدور عارية ونسفت رؤوسهم التي يملؤها اليأس والسخط، هم الذين وجدوا انفسهم على قارعة الاهمال وهامش سياسيات الفساد والإقصاء والنظرة الاستعلائية من زعماء دين وسياسة اعتقدوا انهم ارتهنوا العراق تحت عمائهم وفي زنازينهم .

انه جيل فعل ما كنا نعتقد أننا فعلناه في العهود السابقة بل وتخطى استسلامنا لواقع الحال، وقد استلهم وعيه من السوشيال ميديا وجميع منصّات التواصل الاجتماعي، فهؤلاء لم يحركهم واقع بائس مزدرٍ معاش فحسب، بل رؤيا أبعد بلورتها شبكة اجتماعية أوسع نطاقا من الفهم المحلي للأشياء، وأعمق تأثيرا في وجدانهم، وهي اسرع كثيرا من كلمة مكتوبة في صحيفة أو اعلان تلفزيوني، فموبايلاتهم هي حياتهم الحقيقية ومرآة تطلعاتهم وأحلامهم، فلم تعد منصات التواصل الاجتماعي ولا الاجهزة الخلوية الصغيرة ادوات للعب واللهو، وان بقيت في جانب منها كذلك، لكنها اسلوب حياة وفهم وأسئلة حارقة تبحث عن اجابات وحلول.

لهذا سارعت السلطة إلى تعطيل شبكة الانترنت بشكل كلي، مدركة حجم ما يمثله ذلك من تهديد لوجودها، فالموبايل لم يعد واقعا افتراضيا بل كاميرا ووجه لمتظاهر ملطخ بالدماء والدخان. وجه مخيف لسلطة منخورة بفسادها. وهو أول اغلاق تام وعزل لشعب بكامله يحدث منذ 2003.

الوعي الجديد قابلته ادوات السلطة ومنذ العام الماضي في البصرة والمحافظات الجنوبية بقمع شديد بلغ حد التصفية والتنكيل والاعتقال. إلا ان سلطة بغداد لم تكن في السنة الماضية تستشعر الخطر على بعد (590) كلم جنوبا، كما حصل لها الآن، وكما هي عادتها، ارتكبت الاجهزة الأمنية اخطاءً قاتلة، هي جزء من تراكم دوري لا خلاص منه، كما انطلقت قوى أخرى “مجهولة” لتصفية المتظاهرين. هؤلاء ” المندسين” يحملون بنادق قناصة ومجهزين بأفضل المعدات تصيدوا الشباب دون هوادة أو رادع، مثلما انقضوا السنة الماضية على المتظاهرين العزل.

رسائل تهديد بالتصفية تلقاها الكثير من المتظاهرين ومن اعتقل منهم جرى ارغامه على التعهد بعدم المشاركة في التظاهرات. أما من كان صوته عاليا فتمت تصفيته، كما حدث للناشطة المدنية سارة طالب وزوجها التشكيلي حسين عادل عندما جرى اغتيالهما قبل أيام في البصرة بعد مشاركتهما في أولى التظاهرات. عربتان تقلان ستة ملثمين دهموا شقتهما في مركز المدينة عند الساعة الحادية عشر ليلا وقاموا بإعدامهما من مسافة قريبة حتى أن الرصاص اخترق الحيطان. كان حسين وسارة عاطلين عن العمل، وتلقيا العديد من التهديدات بدل فرصة عمل واحدة. قتلوا سارة وحسين عوض أن يوفروا لهما وللآلاف من الشباب فرص عمل وحياة كريمة وأمل بالمستقبل.

حسين رسام تشكيلي في مقتبل الحياة، أما سارة ففي الخامسة والعشرين وكانت حاملا وقد بلغت مرحلة من الوعي بعد سنوات من التثقيف الذاتي والمنظّم، فهل مصير ان يكون الانسان واعيا في العراق هو الموت؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى