الناشطات لسنَ هدفاً

لا يمكنني أبداً ان أصف مقدار السعادة التي غمرتني عندما شاهدت الجمع الغفير من النساء العراقيات وهن يملأن ساحات الاحتجاج الجماهيري ومن مختلف الفئات العمرية.

فلم يسبق على الإطلاق أن يكون هذا اللون النسوي الزاهي سائداً في الحراك الجماهيري من قبل، فالمشاركة الفاعلة للطبقة النسوية الشبابية وخاصة الطلابية التي أظهرت حماسها وقوتها ودفاعها الكبير من اجل قضية الوطن رسمت أجمل لوحة للمرأة العراقية التي ساندت وتساند الأخ والزوج والأب في مطالبهم المشروعة.

رأيت مشاهد عظيمة وعشت أجواءً حماسية لم أعشها من قبل وانأ أشاهد الفتيات يصطففن في مقدمة المتظاهرين ويحملن اللافتات الجريئة المطالبة بالحقوق .

صغيرات مراهقات لم يخجلن من الهتاف بصوتٍ عالٍ ولم يترددن في إشغال الخط الأمامي للمتظاهرين فقد كان واضحاً على محياهن اسم العراق .

حقاً أبدعن في أدوارهن ومشاركاتهن لتعزيز المظاهرات وديمومتها وكيف لا وقد أصبحن احد أهم واكبر المحاور الأساسية في فاعلية المظاهرات واستمرارها.

أنا شخصيا لم تكن لدي قناعة بأهمية مشاركة ابنتاي(17)عاماً في المظاهرات فقد كنت اعتقد أن وجودهن لن يؤثر ولن يضيف شيئا لكني أدركت لاحقا أن أم ظالمة حرمت ابنتيها من شرف المشاركة في الواجب الوطني .

لم أكن أدرك بان مشاركتهن ستغرس في نفوسهن حب الوطن وتشعرهن بالمسؤولية وروح المواطنة التي يجب أن تزرع في نفوس جميع العراقيين .

ولذلك لم أتردد لاحقا باصطحابهن إلى ساحة المظاهرات واشتريت لهن الإعلام العراقية وشجعتهن على الوقوف في الصفوف الأمامية وعندما أخذهن الحماس وبدأن يهتفن للعراق فقدت السيطرة على دموعي التي نزلت دون أي رادع.

أيقنت أيضا أن المشاركة في المظاهرات وسام شرف وفخر وهذا ما سيشعر به كل مواطن حر شارك في المظاهرات الوطنية.

ومع تضاعف المشاركة النسوية في المظاهرات الشعبية زادت حملات القمع لاستهداف المدنيين المشاركين فيها و نالت الناشطات نصيبهن من تلك الحملات ابتداءً من التصفية الجسدية فقد قتل عدد من الناشطات اللواتي عرفن بمشاركتهن الفاعلة بالمظاهرات وتعرضت أخريات إلى محاولات اغتيال فيما اختطف عدد منهن وتعرضن إلى الترويع والترهيب ورغم ذلك لم تسجل المفوضية العليا لحقوق الإنسان معلومات عن استشهاد أو جرح ناشطات واكتفت بالإعلان عن مختطفة واحدة في بغداد ومحاولة اغتيال أخرى في البصرة .

لم تتوقف حملة القمع المناهضة للناشطات بل استخدمت أكثر أسلحتها قذارةً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فقد هبت تلك الجيوش المأجورة لإجهاض المظاهرات وتحجيم دور المرأة المشاركة من خلال تنظيم حملات تشهير و تسقيط للنيل من شرفها باستخدام صورها الشخصية مرفقاً معها معلومات كاذبة وملفقة .

كما روج عبر صفحات وهمية في الفيسبوك بأنهن عميلات لسفارت ومنظمات أجنبية تريد الإطاحة بالمظاهرات من خلالهن مستغلين صور الأنشطة والفعاليات السابقة التي نفذتها الناشطات بالتعاون مع جهات الحكومية ومنظمات مجتمع مدني محلية .

أساليب تسقيطية رخيصة مورست للنيل من الناشطات في المظاهرات للحد من عطائهن غير المنقطع في المظاهرات مستغلين بذلك الجهل المجتمعي والعقل الجمعي الذي وظف نفسه طوعيا ليكون أداة مجانية بيد تلك الجهات الفاسدة .

وفي ظل قانون ضعف وجهل اغلب الناشطات بإجراءات السلامة الجسدية والأمن الرقمي تعرضت الكثير منهن إلى الإساءة والترهيب النفسي والتهديد والابتزاز والتصفية الجسدية بالإضافة إلى الضغوطات الأسرية التي حرمت بعضهن من المشاركة في المظاهرات بعدما نجحن بالفعل في كسر الصورة النمطية الراسخة في ذهن المجتمع منذ سنوات طوال.

ولكننا كناشطات مدافعات عن حقوق المرأة العراقية لم نقف مكتوفات الأيدي فقد أصدرنا بياناً صحفياً كشفنا فيه أساليب العنف الممنهج الذي تتعرض له الناشطات في المظاهرات وطالبنا الحكومة العراقية بضرورة حماية النساء ومحاسبة الجناة، كما دعينا المنظمات الإنسانية الحقوقية إلى إطلاق حملات مدافعة ومناصرة والعمل على زيادة مستوى الوعي لدى الناشطات في مجالي السلامة الجسدية والرقمية لحماية أنفسهن من الجرائم التي تستهدفهن .

ورغم كل التحديات التي تواجه الناشطات في المظاهرات إلا أنهن في كل يوم يزددن قوة وإصراراً على المشاركة الفاعلة واستمرار دعم المتظاهرين بالحضور والمشاركة وتقديم الدعم اللوجستي ليبرهن بأنهن شريكات حقيقيات مع الرجال في الدفاع عن الوطن وان المواقف البطولية ليست حكراً على الرجل دون المرأة.

ولكل من سولت له نفسه استهداف الناشطات أو الترويج للمعلومات الكاذبة المغرضة أقول “الناشطات لسنَ هدفاً” لتستهدفهن بل هن مقاتلات يدافعن عن حقوق وطنهن بإخلاص ونبل، فحاول أن تجعل هدفك الفاسدين واللصوص الذين استلوا على خيرات بلدنا وسلبوا من حياتنا الكثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى