الطنبورة … آلة موسيقية هجينة يخفيها العازفون عن عيون الغرباء

المنصة – محمد سمارة

يسند “ابا ذر” طنبورته الى الارض وهو يجلس متربعا الى جوارها ويحتضن احدى عصيها الجانبيتين بذراعه الايسر، ليترك يده طليقة تعزف على الاوتار من الاعلى، اما يده اليمنى فتمسك بقطعة خشب مدببة تعزف هي الاخرى على الاوتار عند منتصف الصندوق الخشبي.
تتحرك يدا العازف معاً ويردد مع العزف اغنية بلغة افريقية ممزوجة بكلمات عربية تخرج لحنا هجينا وجميلا تماما مثل آلته المصنوعة محليا.
يعزف “ابا ذر” على آلته وهو يغمض عينيه تارة ويفتحها تارة اخرى، ويميل بين الحين والاخر مع الطنبورة عندما تتأجج اشجانه تجاه الكلمات التي ينطقها فيرتفع صوته ويبح عندما تتلقف حنجرته طبقة الجواب، ويزداد صوته حنينا عندما يستريح ثم يقفل اغنيته بصوت متلاشي ليشعرك بوشوك النهاية.
صنعت هذه الالة في مدينة البصرة، فعصيها من القصب المتوفر في الاهوار ، اما صندوقها الخشبي فهو من جذوع النخيل التي تكثر في المدينة، والجلد الذي يغطي صندوقها الخشبي من جلود الابقار، والحبال التي تربط اجزائها من سوق الحبال الموغل في القدم في مركز المدينة، واجراسها الصغيرة من سوق الطبول، فالآلة تصنع محليا بامتياز.
ذوو البشرة السمراء في مدينة البصرة جنوبي العراق يتميزون بمهارات عديدة في العزف ومنها العزف المنفرد على آلة الطنبورة، تلك الآلة الهجينة التي يمتد تاريخ صناعتها الى العصر السومري إذ ان شكلها الهجين يكشف عن هذا التواصل التاريخي عبر الزمن.

تمزج الآلة البصرية بين القيثارة السومرية القديمة وآلة العود الحديثة، فلها ستة اوتار تمتد بين اثنين من العصي الرشيقة مربوطة بعصا ثالثة الى الاعلى لتصل الاوتار الى صندوق خشبي شبيها بصندوق آلة العود.
تتدلى من العصا الامامية سلسة من التعويذات الملونة والمزركشة، كما تتدلى من العصا العليا اجراس صغيرة تضيف الى العزف رنات صغيرة ناعمة يشعر من يستمع الى العزف ان هناك عازفا اخر يدق الاجراس بتناغم سحري مع اهتزاز الاوتار.
توارث ذوو البشرة السمراء صناعة هذه الاله من الاجداد وأول من صنع هذه الآلة هو “سرور النوبي” الذي عاصر” بلال الحبشي” مؤذن الرسول محمد (ص)، وتنسب اليه الالحان التي تعزف على هذه الآلة جميعها، فكل ما تم اشتقاقه من الحان النوبان منسوبة على “سرور النوبي”.
ويتحفظ ذوو البشرة السمراء على اظهار آلة الطنبورة في الاماكن العامة، فبقدر كونها الة موسيقية كباقي الآلات الا انها تحمل من الخصوصية القدر الكبير.
اختير “ابا ذر” لتعلم العزف على هذه الالة لأنه عندما كان صغيرا يحمل ميزة الاذن الموسيقية الروحانية فقد كان يتمايل ويرقص ويتحرك برشاقة وكياسة كبيرتين عندما يستمع الى عزفها، فتشجع ذويه على اختياره ليخلفهم في العزف على هذه الآلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى