استقلها الوزراء والمسؤولون.. أقدم سيارة أجرة في بغداد

بغداد – مينا القيسي

يفتح كريم حمد عبيد باب سيارته ويستقلّها، ثم ينظرُ بعينين ثاقبتين إلى المرآة ويسأل الجالس معه في المقعدِ الخلفي: ما هي وجهتك اليوم؟ فيجيبه رئيس وزراء العراق الأسبق عبد الكريم قاسم: اصطحبني في جولةٍ سريعة.

يتذكر الحاج الثمانيني كريم حمد “أبو محمد” هذا المشهد الذي مر عليهِ الزمن ما يقارب الواحد والستون سنة، إذ كان يتكرر يومياً بحكمِ طبيعة عمله كسائق أجرة شخصي للوزراء والشخصيات المهمة منذ السنين الاولى من إعلان الحكم الجمهوري في العراق.


ولد الحاج ابو محمد في مدينة العمارة ثم أنتقل الى بغداد وسكن شارع الرشيد في منزلِ صغير داخل دربونة ضيقة الى الجوار من جامع الحيدر خانة، وعمل سائقاً للأجرةٍ منذ صباه، فتح عيناه على هذهِ المهنة وشب وشابَ عليها ولم يزاول غيرها.

يرفض الحاج أبو محمد تبديل سيارته من ماركة تويوتا موديل “كرونة”، هي السيارة الوحيدة التي ركبها طيلة حياته، إذ يوّضح: “آني أشتغلت بالعسكرية سنين طويلة، وچنت نائب ضابط بوزارة الدفاع بعدين انتقلت لوزارة الداخلية، وخلال فترة عملي وزعوا على المراتب بالجيش العراقي سيارات كهدية، وبهذاك الزمن چان موديل الكرونة منتشر بالعراق وچانت سيارة مشهود إلها بالأداء الراقي”.

ويكمل: “أغلب الناس أشترت الكرونة بس بمرور السنوات بدأت تختفي تدريجيا من الشوارع، وأجت بمكانها موديلات وأنواع مختلفة من السيارات بيها الزين وبيها المو زين بس تبقى الكرونة هي أحسن سيارة دخلت للعراق”.

دخلت أول سيارة الى العراق ولبغداد تحديداً في بدايات القرن العشرين وكانت من نوع الأولدزمبيل وهو أسكتلندي، ووصلت الى بغداد قادمة من مدينة حلب عبر الصحراء الغربية.

لم يكن الحدث عادياً آنذاك إذ يصفه دكتور الاجتماع العراقي علي الوردي في الجزء الثالث من مؤلفه اللمحات، فيقول: “وفي عام 1908 وردت الى بغداد من حلب أول سيارة، فخرج اهل بغداد للتفرج عليها، وصار بعضهم ينظر تحتها لكي يكتشفوا الحصان الكامن في بطنها على زعمهم إذ لم يكن من المعقول أن تسير عربة من غير حصان يجرها”، ولهذا كانت أعجوبة نادرة لا يمكن استيعابها من قبل كثيرين.

يتلفت الحاج ابو محمد ويمعن النظر في زقاقهِ ثم يشير بسبابتهِ إلى إحدى البيوت التي تجاور منزله عن بعد ما يقارب عشرة أمتار، ويكشف بأن هذا البيت يعود الى شخصية كانت هامة في زمانها وهو العميد الطيار قائد القوى الجوية جلال الدين جعفر الأوقاتي، ويبين بأنه كان يعمل دائماً في إيصال الأخير إلى أماكن هامة وحساسة، بحكم قرب المسافة وحسن الجوار والصداقة القائمة بينهما.

يقول أبو محمد: “أني بشبابي ولمن بعدني بحيلي، چانت سياقتي كلش مضبوطة وأغلب الناس الساكنة بشارع الرشيد تجيني مخصوص حتى أوصلها، وسكن بهذا الشارع كثير قادة وحكام وضباط معروفين بفترة الستينات والسبعينات، ولأن اني چنت تقريبا الوحيد اللي اشتغل تكسي بالكرونة فچانوا يعتمدون عليه بأغلب رحلاتهم ومشاويرهم وچنت اتقاضى راتب كلش عالي، ما يعادل مليون ونصف بهذا الوكت”.

يهز الحاج يده تهكماً ويزيد على كلامه: “الوضع ايام گبل يختلف عن هسه، جانت سيارات التكسي محدودة ومعروفة اعدادها وانواعها، وجان السايق يكدر يصرف على عائلته ويعيش كريم بهذه المهنة ويشتغلها بكل شرف وأمانة والتزام وذوق، اما هسه فأكو فوضى عامة ومو بس السيارات اختلفت.. حتى النفوس والاخلاق تغيرت”.


يومياً تجوب آلاف سيارات الأجرة شوارع العاصمة بغداد الرئيسة والفرعية وبأنواع مختلفة، سيارات الاجرة الصفراء، السيارات الخصوصية التي تحمل لوحة إعلان تكسي، وسيارات شركات خاصة تقدم خدماتها بواسطة مواقع الكترونية وهواتف نقالة، كل ذلك ولد تنافساً في الاستحواذ على سوق العمل.

ورغم تطور التكنولوجيا ولجوء الزبائن الى استخدام تطبيقات ذكية لطلب سيارات الأجرة مثل تكسي أوبر وكريم وبلي والمكاتب المناطقية، الا أن الحاج ابو محمد ما يزال مقتنعاً بوجوب استمراره في عمله الحالي، إذ يقول: “اني رجال جبير وما اگدر أطلع بالسيارة أدور على زبائن، بس الحمد لله أصدقائي وجواريني يعرفوني ويندلون بيتي ويجون عليه حتى أوصلهم وشكد ما أحصل كروة هي نعمة من الله”.

وبمجرد الاستفسار منه عن طبيعة ساعات عمله، يوّضح أبو محمد، بأن أعباء إعالة أسرته وما يرافقها من هموم حياتية اخرى تتمثل في الاحتياجات المعيشية الأساسية غير المتوافرة له كما لعموم العراقيين بسبب العجز الحكومي حيال ذلك، وهو ما أجبره على الاستمرارِ في المهنة.

يقول أبو محمد: “برگبتي سبع نفرات بالبيت، والراتب ما يكفي فأكيد لازم أشتغل حتى وآني بهذا العمر، والله فلوسنا نصها تروح على الأطباء والأدوية بس مجبورين، الحياة غالية واني ما أكدر أشتغل شي ما متعود عليه لان صحتي مو مثل قبل وما أتحمل الجهد”.

هذه المهنة التي لا يمكن الاستغناء عما تقدمه من خدمات ترتبط بالحركة الموجودة في الشارع، فالايام التي تشهد عطلاً رسمية او قرارات منع تجوال او مناسبات دينية تؤثر بالسلب على عوائد سائقي الاجرة، كما تتأثر أعمالهم بشكل نسبي عندما تسوء الأحوال الجوية في فصل الشتاء مع هطول الأمطار وانحسار حركة المارة، ما يجعل سائقي الأجرة يتزاحمون فيما بينهم عند تجوالهم في الشارع طلبا للرزق.

وبسبب كون هذه المهنة لا تتطلب مهارات كثيرة، فإن العديد من العاطلين عن العمل وبمختلف الاعمار يتجهون إليها، خصوصاً أولئك الذين لا يحملون شهادة دراسية أو مؤهلات خاصة، فضلا عن ذلك، فإن هذه المهنة غير محكومة بضوابط أو قوانين تحدد من الذي يعمل فيها او لا يعمل، كما أن توقف السلطات عن فرض ضرائب بحق اصحاب سيارات الاجرة شجع الكثيرين على اقتنائها او تحويل مركباتهم الخصوصية الى سيارات اجرة.

بينما يتحدث بحسرة عن تدهور حال المهنة، نسي أبو محمد أوجاعه للحظة، ثم ضحك وقال: “شكد دخلت سيارات حديثة للعراق بس مثل الكرونة ما شفت، هاي السيارة عيشتني وعيشت عائلتي سنين، اكلنا وشربنا منها وبيها كل الخير والبركة، شكد ناس يكلولي بدلها وأشتري غيرها بس آني ما أقبل رغم هي تستحق التبديل لأن بانت عليها ملامح التعب والقدم، بس اني معتز بيها”.

في نهاية حديثي مع الحاج..اقترحت عليه ان يقلني الى ساحة الميدان، فركبنا سوية وبدأ بالسياقة مع ابتسامة طفيفة تعلو شفتيه وهو يستشعر قيمة “الكرونة” بعدما استرجع شريط ذكرياته فيها، ثم قال بهدوء: “كلشي ببغداد أتغير، بس أني وسيارتي واكف الزمن عدنا وما اتغيرنا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى