في فوضى الألوان والصمت تولد لوحاتها، فنانة ترسم مستقبل النساء في ذي قار

 

ذي قار – مرتضى الحدود

في عتمة الساعات الأخيرة من الليل حين يسكن العالم وتذوب الأصوات في الصمت تستيقظ شرارة الإلهام لدى الفنانة ريا عبد الرضا تجلس على الأرض تنثر أوراقها البيضاء من حولها وتمسك قلمها كأنها تستعد لطقس مقدس تنثر به ألوان روحها على صفحة تنتظر الحياة بين هذه الأجواء المبعثرة تولد أفكارها، متخذة من الحداثة مدرسة تنتمي لها دون أن تتخلى عن بصمتها الخاصة.

تقول ريا الفنانة التشكيلة التي ولدت في جنوب العراق قبل اكثر من أربعين عاما “حينما يغفو العالم وتنسحب الضوضاء من الشوارع يلهمني ذلك السكون بعد منتصف الليل ليخرج ما في داخلي من أفكار ادونها بألواني الخاصة، فعالمي الفني يبدأ ينبض في تلك اللحظات الهادئة”.

بدأت الفتاة الجنوبية بممارسة الرسم في سن الخامسة وكانت تجد في قطعة بسيطة من الكارتون مساحة شاسعة لتجسيد محيطها كالأبنية والأشخاص والألوان وكل شيء يخضع لإعادة تشكيل على يد طفلة تحلم بأن يكون العالم أكثر انسجاما مع مخيلتها.

تلك البدايات العفوية تحولت مع الوقت إلى مسار جاد اذ تقول ان “معلمة التربية الفنية في المرحلة المتوسطة أدركت موهبتي وكانت تعير اهتماما للرسومات التي اقوم برسمها حتى انني شاركت مع زميلات في مسابقة جمعت مدارس الناصرية وسط ساحة الحبوبي لرسم تمثال السيد محمد سعيد الحبوبي فحصدت الجائزة الاولى”.

بدأت الفنانة التشكيلية مرحلة جديدة من مسيرتها حيث انتقلت إلى معهد الفنون الجميلة في محافظة البصرة لتفتح هناك أولى صفحاتها الأكاديمية في عالم الجمال والإبداع، لكن شغف ريا لم يعرف الحدود فسرعان ما انتقلت إلى معهد الفنون الجميلة في بغداد، وهناك دخلت إلى فضاء فني مفتوح… كل شيء فيه يتنفس فنا بأشكاله المتعددة ومدارسه المتنوعة.

وفي بغداد أيضا كان للفن بعدٌ عائلي فخالها الراحل الفنان التشكيلي حسن عبد علوان الذي عاش في العاصمة، شكّل لها دافعا إضافيا للاستمرار والتألق “كانت عائلتي من أهم الداعمين، خصوصاً وأن في العائلة من هو فنان بهذا المجال” تقول ريا.

لا تؤمن ريا بقيود المدرسة الفنية إذ لا تقيّد نفسها باتجاه فني واحد بل تنجذب إلى الفن المعاصر الذي ترى فيه مساحة أوسع للتعبير والتجديد، وتقول “هذا الفن هو الأقرب إلى واقعنا اليوم”. وهي أيضا لا تعرف عدد اللوحات التي انجزتها في مسيرتها الفنية منذ ان بدأت ريشتها تخط على الورق وبعدها على القماش منذ أكثر من عشرين عاما ، تبتسم وتضيف “لا يمكنني تحديد عدد معين للوحات فالرسم بالنسبة لي عملية مستمرة لا تتوقف”.

قبل عامين دخلت ريا فصلا جديدا من فصول حياتها حينما تولت إدارة معهد الفنون الجميلة للبنات بأقسامه الثلاثة التشكيلي والمسرح والتصميم بعد معركة خاضتها مع زملاء آخرين لفتح معهد للفتيات بعدما كان معهد الناصرية للفنون يستقبل الذكور فقط في الأعوام الماضية.

هذه الخطوة التي قامت بها ريا فتحت الباب امام 120 فتاة للانضمام الى المعهد ودراسة الفن وتقول “لاحظت مواهب شابة مذهلة لفتيات يستحقنّ فرصا للظهور بعضهن قدمن عروضا مذهلة على المسرح وفي مجال الفن التشكيلي”.

رئيس جمعية الفنانين التشكيليين في ذي قار محمد سوادي اعتبر الخطوة التي قامت بها الفنانة الجنوبية خطوة مهمة لدعم الفن النسائي في ذي قار ويقول “تحتضن الجمعية نحو (60) فنانا تشكيليا من أبناء المحافظة بينهم ست فنانات فقط جميعهن يواصلن العطاء والعرض في معارض محلية ووطنية، وفي مقدمتهن الفنانة ريا عبد الرضا التي وصفها بأنها من الرائدات المتميزات في المشهد التشكيلي المحلي.

ويقول ان “الجمعية تضع ضمن أولوياتها دعم الطاقات النسوية وتمكين مشاركتهن في الفعاليات والمعارض الفنية، فالإبداع لا يعرف نوعا والمرأة في ذي قار أثبتت حضورا مشرفا”.

يبدو عالم ريا منظما من الخارج فمرسمها يتسم بالترتيب، إلا أن لحظة الإبداع تتطلب خروجا على القواعد فهي تجد في الفوضى مساحة حرة للإبداع إذ تجلس على الأرض وتتناثر حولها الألوان والأوراق، وهي ترفض أن تحبس ابداعها بأدوات معينة فتقول “لا اتقيد باستخدام الألوان، قد أبدأ بأي قلم… فما يهم هو الفكرة”.

في معهد الفنون الجميلة للبنات الذي تديره ريا تصعد مجموعة من الطالبات المسرحَ ليس فقط لتؤدين أدوارا… بل لتروين قصصا من عمق الطفولة والمجتمع.

الطالبة طف خالد كانت واحدة ممن آمنّ بقوة المسرح كرسالة، لا مجرد وسيلة للترفيه تقول بثقة ناضجة “بدأنا كمواهب صغيرة، ومع دعم الإدارة صقلنا قدراتنا واليوم نكتب ونخرج مسرحيات للأطفال تحمل أفكارا ورسائل، لا مجرد ضحكات عابرة”.

في كل مشهد تنبض خشبة المسرح بروح جماعية طالبات يرسمْن بالضوء والصوت والخيال عالما يلامس وجدان المجتمع بلغة الفن، ويعالج قضايا تربوية واجتماعية بطريقة بسيطة وهادفة.

هو ليس مجرد معهد تديره فنانة تدعم ادماج النساء في الفنون، بل ورشة إبداع حيّ، تتعلّم فيه الفتيات كيف يكتشفن ذواتهن، ويصنعن فارقا بكلمة، بإيماءة، أو حتى بصمت مدروس، إذ تمكنت فيه ريا من توظيف موهبتها وقدرتها لمتابعة هذه الطالبات وكيفية تنضيج فهمهن وقدرتهن في المجال الفني.

تقيم ريا وطالباتها معارض فنية بين الحين والآخر على قاعة مركز الرواق للفنون في ذي قار ويقول مدير مركز الرواق للفنون علي هادي أن المركز بات يمثل حاضنة حقيقية للمواهب الفنية بكل تنوعاتها حيث يحتضن نتاجات الفنانين من النساء والرجال ويتيح لهم مساحة للتعبير من خلال المعارض التي تُقام على مدار العام.

ويضيف “الرواق يولي اهتماما خاصا بالفنانات، حيث يُعَدّ دعم المرأة جزء أساسيا من سياسة المركز، ودعواتنا للمعارض تشمل دائما الفنانات من أجل تعزيز حضورهن الفاعل في المشهد الفني، سواء على مستوى العرض أو الحوار الفني”.

ريا عبد الرضا ليست مجرد فنانة تشكيلية بل هي سيدة تُشعل شرارات الإبداع في نفوس النساء المحبات للفن في ذي قار ومنهن طالباتها وتحوّل المساحة الأكاديمية إلى ورشة حياة نابضة بالفن.

 

أنجزت هذه القصة ضمن سلسلة مقالات بدعم من برنامج قريب، وهو برنامج اقليمي تموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وتنفذه الوكالة الفرنسية للتنمية الاعلامية (CFI)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى