مهندس الحروف.. أحمد مجيد يتوَّج في أرفع محافل الخط العربي

ميسان- مهدي الساعدي
“شاركت في عدة مسابقات أُقيمت في دول عديدة، لكني أعتبر فوزي في مسابقة آرسيكا أهم ما حققته خلال مسيرتي”. بهذه العبارة الوحيدة اختصر مشاعره، بينما كان مشدودًا إلى قصبة صغيرة اختارها من بين مجموعة من أدوات الخط المتنوعة من فرش وأقلام وقصب. وضعها إلى جانبه بعد أن غمسها في دواة حبر صغيرة موضوعة بثبات وبطريقة احترافية على منضدة خشبية صُممت خصيصًا لعمله.

التقط أنفاسه المحبوسة قبل أن يرفع يديه، وقد أبيضّت أنامله لشدة إمساكه بالقصبة الصغيرة، التي تبدو أنها من نتاج عمل يدوي. توقفنا عن الحديث معه خشية التأثير عليه، ونسينا أنه الأبرع بين 640 خطاطًا جاؤوا من مختلف دول العالم للمنافسة على إحدى جوائز مسابقة الخط العربي التي ينظمها مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية في تركيا، والمعروف باسم آرسيكا (IRCICA)، والتي تُعد أرقى مسابقة للخط العربي في العالم، لاهتمامها بالفنون الإسلامية، وفي مقدمتها الخط العربي بأنواعه.

الخطاط الميساني أحمد مجيد، الذي مثّل بخطه عموم المحافظات العراقية، يقول في حديثه للمنصة: “شاركت في المسابقة التي أُقيمت في إسطنبول بدورتها الثالثة عشرة، والتي أطلق عليها اسم مسابقة الخطاط العثماني الشيخ محمد عبد العزيز الرفاعي، إلى جانب متسابقين من كردستان حققوا مراكز متقدمة في خطوط النسخ والنستعليق والكوفي. كنت المشارك الوحيد من بين المحافظات العراقية الأخرى، بما فيها العاصمة بغداد، وقد فزت بجائزة أفضل خط في خط الثلث”.
لم تكن مسابقة آرسيكا هي الوحيدة التي شارك فيها الخطاط أحمد مجيد، فقد سبقها مشاركات محلية في النجف والكوفة والعتبات المقدسة في كربلاء وبغداد، وأخرى دولية في الإمارات وقطر وإيران وسوريا، حصد خلالها عشرات الجوائز والهدايا بتصدره المراكز الأولى.
واقع مؤلم وطموح كبير
رغم تفوق الخطاطين العراقيين في المحافل الدولية، ومنهم أحمد مجيد، إلا أن مهنة الخط تشهد تراجعًا ملحوظًا ليس فقط في ميسان بل في عموم المحافظات العراقية، نتيجة التغيرات الاجتماعية الحديثة. يقول الخطاط فلاح حسن: “انتشار الطابعات الحديثة، وسرعتها وتنوعها، قلّص الحاجة إلى الخطاطين. أغلب خطاطي العمارة أغلقوا محالهم، ولم يبقَ منهم سوى واحد أو اثنين، يقتصر عملهم على رسم اللافتات وواجهات المحلات بعد أن كانت المهنة جزءًا بارزًا من المشهد البصري في المدينة”.

رغم هذا التراجع، يواصل الخط العربي تألقه بوصفه فنًا أصيلًا. يقول أحمد مجيد: “كنت مولعًا بالفنون التشكيلية منذ طفولتي، وكان الخط العربي هو الأقرب إلى قلبي، لذلك اخترت مجالًا قريبًا منه أكاديميًا، ودرست الهندسة، لأصبح لاحقًا مهندسًا في الخط العربي”.
المدرسة البغدادية في الخط
كعادة الخطاطين، توجه أحمد مجيد إلى بغداد، مركز الإشعاع الفني، لصقل موهبته في كنف المدرسة البغدادية التي أخرجت أسماء لامعة كهاشم وعباس البغدادي. وتتلمذ هناك على يد أستاذ الخطاطين السيد نبيل الشريفي، الذي تحدث للمنصة قائلاً: “عرفت أحمد منذ 13 عامًا، ومنذ اللقاء الأول لمست فيه حب الخط والأخلاق الطيبة. اجتهد رغم بُعد المسافة، وتعلم وفق النهج الأكاديمي، من خط الرقعة إلى الجمل ثم إلى الخطوط الأخرى. وبعد سنوات من الجهد، منحته إجازة في الخط قبل 3 سنوات، وهو يستحقها، وأراه أفضل خطاط في مدينة العمارة”.

الإجازة الخطية
الإجازة الخطية تقليد أصيل بين الخطاطين، تمنح المتدرب حق التعليم ومنح الإجازات لغيره. يوضح أحمد مجيد: “كان تعليم الخط سابقًا يتم في البيوتات، إذ لم تكن هناك أكاديميات مختصة. وكان الأستاذ يمنح تلاميذه الإجازة بعد الوصول إلى مستوى متقدم. وقد حصلت مؤخرًا على إجازتي من أستاذي نبيل الشريفي، المجاز بدوره من ثلاثة خطاطين هم: مهدي الجبوري، د. سلمان إبراهيم، ووليد الأعظمي، الذين نالوا بدورهم إجازاتهم من أساتذتهم”.

خطوط عربية وهوى فني
لم يأتِ فوز أحمد مجيد في خط الثلث من فراغ، فهو أقرب الخطوط إلى نفسه، إلى جانب خط النسخ. يقول: “خط الثلث يتمتع بالقوة والرّصانة، وكل حرف فيه أشبه بلوحة فنية، ويقوم على النسبة الذهبية، وهو يُكتب بثلث قلم الطومار”. ويضيف أن هناك خطوطًا أخرى مثل الرقعة، النسخ، الديواني، الكوفي، والتعليق، بالإضافة إلى الخطوط المركبة كالنستعليق.

يسعى أحمد مجيد إلى نقل خبراته لأبناء مدينته من خلال إقامة ورش ودورات لتعليم الخط العربي، ويقول للمنصة في هذا الصدد: “أحرص على خدمة شباب محافظتي وتعريفهم بأنواع الخط العربي وربطه بالفنون التشكيلية”.



