من صنبور منسي إلى بركة علاجية: “عين أم عنيج” جنوب الناصرية تبوح بسرها

الناصرية- مرتضى الحدود

في عمق سهول “أم عنيج” الهادئة جنوبي الناصرية، وبينما كانت فرق التنقيب الأجنبية في خمسينيات القرن الماضي تبحث عن النفط، فجّر القدر مفاجأة: عين كبريتية خرجت من رحم الأرض، لتداوي أوجاع الجلد وتمنح الأمل.

فخلال أعمال الحفر الروتينية التي قادتها شركة إنكليزية لاحظ الجيولوجيون تدفقًا مائيًا غير معتاد، يتميّز برائحة نفاذة وطعم مختلف وحرارة لا تشبه بقية العيون. خمّن المهندسون حينها أنه عديم الجدوى، فركّبوا له صنبورًا لإيقاف تدفقه وغادروا، تاركين وراءهم ينبوعًا دفينًا لم يدركوا حينها أنه سيكون كنزًا صحيًا يُكتشف بعد عقود.

مرّت السنوات وكأن الأرض كانت تخبئ سرّها لأولئك الذين يحتاجونه حقًا. عاد بعض السكان الفضوليين إلى الموقع، فتحوا الصنبور القديم، فتفجر نبع كبريتي شكّل بحيرة صغيرة على مساحة تقارب 7 أمتار مربعة. هكذا وُلدت “عين ذي قار الكبريتية” أو كما يُعرف محليًا بـ”عين أم عنيج”، اسم لم يُثبت في الخرائط بعد، لكنه انتشر بين الناس كحكاية.

أحمد الخفاجي، أحد زوّار المكان، يروي بقلب ممتن كيف رافق مجموعة من أصدقائه المصابين بمرض الصدفية والإكزيما إلى تلك العين، ويقول للمنصة: “جئنا نبحث عن الراحة، وكانت النتيجة مذهلة. تعافوا… هذه نعمة ما بعدها نعمة، ومن واجبنا أن نحافظ عليها”.

ومثل أحمد، كثيرون وجدوا في العين ملاذًا. إسماعيل حسن، سائق شاحنة على طريق بغداد – البصرة، سمع عنها من صديق، فاستعان بتطبيقات تحديد المواقع وذهب بنفسه، قائلاً: “كنت أعاني من تهيّجات جلدية في يدي، وبعد زيارتي هنا بدأت ألاحظ الفرق. هناك شيء مختلف في هذه المياه”.

ليست العين مجرد مكان للعلاج، بل مشروع سياحي وصحي واعد، كما يرى الخفاجي، مشيرًا إلى أن تطوير المنطقة وتوفير خدمات أساسية يمكن أن يجعل منها مقصدًا وطنيًا، كما هو حال عين الموصل أو عين تمر في كربلاء.

صالح حسن، الذي جاء من سوق الشيوخ بمركبته الصفراء، يؤكد أن خصائص العين لا يمكن نقلها: “لا يمكن أخذ مياهها إلى البيت. جرّبنا ذلك ولم نرَ نتيجة. لا بد أن تكون هنا، أن تلمس المياه بجسدك. هذا الكبريت مدمج بالماء بطريقة طبيعية لا تتكرر”.

تُعد العيون الكبريتية من الموارد الطبيعية النادرة التي يتميز بها العراق، وتحمل قيمة صحية وسياحية في آنٍ واحد. تنتشر هذه العيون في محافظات مثل نينوى وكربلاء وذي قار والديوانية، وتستقطب الزوار الباحثين عن الراحة والعلاج من الأمراض الجلدية والمفصلية.

وتحتوي هذه المياه على تركيزات عالية من الكبريت ومعادن أخرى كالكالسيوم والمغنيسيوم والحديد، وتُعرف بخصائصها المضادة للبكتيريا والفطريات، كما تُنشّط الدورة الدموية وتجدد خلايا الجلد، ما يجعلها فعالة في علاج أمراض مختلفة.

ويبلغ عدد العيون الكبريتية في العراق 39 عينًا اثنتان في الموصل (حمام العليل وعين الموصل)، وثلاث في الديوانية، و34 عينًا في كربلاء بمنطقة عين تمر، منها ثلاث رئيسة لم تنضب بعد، رغم انخفاض نسبة المياه فيها، مقابل عيون أخرى جفّت تمامًا بسبب انخفاض مناسيب بحيرة الرزازة وكثرة حفر الآبار الارتوازية في المناطق الصحراوية المجاورة، وأبرزها عين الزرقاء وعين السيب وعين أم الكواني.

مع ذلك، لا يخلو الأمر من تحذيرات طبية، إذ يرى مختصون أن استخدام العيون الكبريتية قد يكون خطرًا في بعض الحالات.

الطبيب الاختصاصي بالأمراض الجلدية وأستاذ كلية الطب في جامعة ذي قار، الدكتور أحمد عبد الحسين الحجامي، قال للمنصة إن استخدام هذه العيون كوسيلة علاجية أمر “غير صحيح”، مؤكداً أنها قد تسبب مضاعفات خطيرة لدى بعض المرضى.

وأوضح الحجامي: “بعض المعادن تُستخدم فعليًا في العلاجات الجلدية، ومنها الكبريت، خصوصًا لعلاج الجرب، لكن ذلك يتم بمقادير دقيقة ومدروسة تعتمد على الحالة المرضية وعمر المصاب”.

ولفت إلى أن المياه الكبريتية تحتوي على خليط معادن قد يكون مضرًا عند استخدامها بشكل عشوائي، مشيرًا إلى أن بعض الحالات التي تلجأ إليها من دون إشراف طبي قد تتعرض لمضاعفات، مثل تشققات الجلد أو تفاقم أمراض مزمنة كـ”داء السمكة” المكتسب، ما قد يؤدي إلى أمراض جلدية جديدة في المستقبل.

وختم حديثه بالتأكيد على أن الاستشارة الطبية المتخصصة تبقى السبيل الآمن لعلاج الأمراض الجلدية، داعيًا المرضى إلى تجنب اللجوء إلى العلاجات غير المضمونة.

وتبقى “عين ذي قار الكبريتية” شاهدًا على ما يمكن أن تصنعه المصادفات حين تتلاقى مع الأمل، ومؤشرًا على أن كنوز العراق لا تنحصر في الذهب والنفط، بل تمتد إلى ينابيع تعيد الصحة للناس، وتعد في الوقت نفسه موردًا سياحيًا واعدًا ومصدر دخل ممكن لسكان المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى