آصف محمد: المدرب الذي صنع أول جيل عراقي من مقاتلات الكيوكوشنكاي 

موج أياد- بغداد

في أحد الأزقة الضيقة لمدينة بغداد، حيث تضج الحياة بأصوات المولدات الكهربائية وضجيج عمّال البناء في مشهد يومي أشبه بالمعركة، تتعالى أصوات اللكمات على الواقيات القتالية من ساحة مفتوحة تتدرب فيها اللاعبات بأقدام متسخة وقلوب شغوفة. أمامهن يقف رجل قرر أن يصنع من الألم قوة، ومن الخسارة فرصة.

إنه المهندس أصف محمد، الذي ترك حياة المكاتب ليقود جيلاً جديداً نحو رياضة “الكيوكوشنكاي” القتالية محولًا ضحايا الخوف إلى أبطال وبطلات يرفعن اسم العراق في ساحات هذه اللعبة.

وُلد أصف محمد عام 1996 في الهند، حيث كان والده يعمل مستشارًا قانونيًا في السفارة العراقية، ثم عاد مع عائلته إلى العراق في ظل حصار اقتصادي خانق. ترعرع في ظل تحديات معيشية قاسية، لكنه وجد شغفه مبكرًا في الرياضة والفنون القتالية.

يقول: “في سن المراهقة بدأت بممارسة الفنون القتالية عن طريق البحث والتعلم والتدريب الفردي، لكن طريقي لم يكن سهلاً، لدي عائلة علمية لم تكن داعمة لي في بداياتي”.

ويتابع: “كلاعب لم تُمنح لي الفرصة كاملة، فأخترت أن أصنعها بنفسي كمدرب وكداعم”. ويضيف: “برأيي، ما يحتاجه الإنسان الطموح هو دعم معنوي، يكفي أنه يگدر يخلق شغفه بنفسه من جديد ويستمر بطريقه كتحدي لذاته”.

إعادة إحياء فن منسي

رغم أن رياضة الكيوكوشنكاي بدأت في العراق منذ التسعينيات، فإن انتشارها ظل محدودًا حتى منتصف العقد الثاني من الألفية، حيث برز جيل جديد من المدربين الشغوفين بها، وكان أصف محمد في طليعتهم. في سن التاسعة عشرة، أصبح أصغر مدرب معتمد في اتحاد الكيوكوشنكاي للمنتخب الوطني النسوي، لرياضة لا تعترف بالنقاط بل تعتمد على الضربة القاضية أو الانسحاب نتيجة الألم.

يتذكر أصف بداياته قائلاً: “جانت البداية بقاعة صغيرة استأجرتها من چنت طالب جامعي في كلية الهندسة الخوارزمي – جامعة بغداد، قبل ما تتوسع لمساحة أكبر وتتقلص من جديد بسبب الخسائر المادية الي تكبدتها جائحة كورونا على اللاعبين، فاضطريت أرجع خطوة للوره وأبدي من جديد بالحدائق العامة في أبو نؤاس مع عدد بسيط من الطلاب وآمال كبيرة رغم التحديات التي اعترضتني”.

نساء في الحلبة

لكن التحدي الأكبر لم يكن ماديًا فحسب، بل اجتماعيًا أيضًا. فوسط مجتمع لا يعترف برياضة الفتيات، واجه أصف معركته الأولى في إقناع العائلات بأن بناتهم يستحقن فرصة في الحلبة.

“چان أصعب شي أواجه المجتمع بشي يخالف اعتقاداتهم حول النساء إن هنه رقيقات وما يتحملن هيچ رياضة بيها ضرب وإصابات، بس الحمد لله بالنهاية گدرت أخلق فكرة مغايرة عن النمط الساري”، يقول أصف.

في عام 2019، جاءت اللحظة المفصلية، حين أقيمت أول بطولة نسوية عراقية، شارك فيها فريقه وحصد المركز الأول. “چان كسر قالب اجتماعي عنيد، اليوم تضم الأكاديمية أكثر من ألف لاعبة ولاعب في كل فرع من أصل 8 أفرع في بغداد، تتوزع بين الكرخ والرصافة”.

استمرت الأكاديمية في التوسع، ولم تقتصر أهدافها على البطولات، بل أنتجت مدربات جدد، وحكّامًا معتمدين من الإناث لأول مرة. ورغم غياب التمويل الرسمي، شارك الفريق في بطولات عربية وآسيوية وعالمية وحقق نتائج مشرفة.

“أغلب اللاعبات بلا رواتب، يعتمدون على نفسهم أو عائلاتهم، وأحيانًا بالبطولات على دعم محدود من الأكاديمية”، يوضح أصف، قبل أن يضيف: “في وقت تُصرف فيه الملايين على رياضات جماهيرية بلا نتائج، صنعنا مئات البطلات العراقيات في الرياضات القتالية الفردية، وبجهود شخصية أثمرت برفع اسم العراق بين الدول”.

القتال كمنهج حياة

أصف لم يكتفِ بتدريب الشباب، بل وسّع مشروعه ليشمل الأطفال أيضاً، فأنشأ أول معسكرات تدريبية للأطفال في العراق من عمر 4 سنوات. هدفها، بحسب قوله، لم يكن “إخراج بطل فقط، بل إنسان مسؤول وصاحب قرار”.

المعسكرات تعلّم الأطفال الانضباط الذاتي، التغذية الصحية، والابتعاد عن الأجهزة الإلكترونية، مع إشراف مدربات كنّ سابقًا من تلميذات الأكاديمية.

ولم تقتصر التجربة على المدنيين، فقد طوّر أصف منهاجًا خاصًا لتدريب القوات الخاصة، والرد السريع، وكلية الشرطة، والشرطة المجتمعية – خاصة العنصر النسوي – كما شارك في معسكرات مع القوات الإيطالية وضباط تلقوا تدريبات أمريكية.

“الهدف لم يكن مجرد قتال، إنما بناء جندي وضابط عراقي بمهارات حديثة وسط إمكانيات محدودة وبدون دعم رسمي، وهذا تحدي حقيقي بالنسبة إلي”، يقول أصف.

بطلات من الهامش

تُجسّد الطفلة فرح عمار (13 عامًا) روح الأكاديمية. كانت تقطع شوارع مدينة الصدر يوميًا في الحافلة لتتدرب في العرصات بمفردها. خلال عام واحد فقط، أصبحت من أبرز بطلات العراق، حاصدة ميداليات ذهبية، وآخرها في بطولة النخبة العراقية. حملت علم بلدها في المحافل العربية والعالمية، وأصبحت رمزًا لطفولة تتحدى الواقع بعناد وإصرار.

كذلك، تبرز زينب خالد، خريجة علوم تغذية (24 عامًا)، التي وجدت شغفها في الكيوكوشنكاي. كانت تقطع يوميًا طريقًا من الزعفرانية إلى العرصات لتصل إلى التدريب، وتوّجت جهودها بالحزام الأسود. رغم خساراتها، واصلت حتى أصبحت بطلة في المنتخب الوطني. تقول إن لحظة عودتها من التدريب ورؤية عائلتها بانتظارها، كانت أعظم مكافأة.

يؤمن أصف بأن هؤلاء الفتيات لا يقاتلن في الحلبة فقط، بل يقاومن واقعًا مجتمعيًا يحاول حصر أدوارهن. “الولد، القتال جزء من طبيعته، بس البنية لمن تقاتل، فهي تقاتل واقع كامل مو مخصص إلها”، يقولها بنبرة ملؤها الاعتزاز.

الشغف لا يتوقف

في قاعة الأكاديمية، حيث تُعلّق الميداليات وتُكتب أسماء البطلات على الجدران، يقف أصف محمد متأملًا الجيل الذي صنعه بيديه. يقول:

“المعاناة هي من تخلق إنسانًا قادرًا أن يحقق نجاحات كبيرة، يستشعرها في كل مرة، كما يخلق الحزن والألم شعور الفرح، كي يستطيع المرء المحاولة من جديد للاستمرار دون توقف”.

هناك، بين أحزمة القتال المختلفة، لا يُرى فرق في العمر أو الجنس، بل طاقة موحّدة تنبع من شغف رياضة الكيوكوشنكاي. لم يكن ذلك إعلانًا لبدء تمرين، بل إعلانًا لاستمرار معركة أكبر: معركة بناء جيل عراقي لا يكسره خصم… ولا حياة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى