تقرير أسماء الشعلان
وُلد علاوي الأهواري في قلب الأهوار، في منطقة كانت تغمرها المياه وتنعكس على وجهها الزوارق وأسراب الطيور. لم يُعرف في الصحافة أو بين الناشطين، لكنه حفظ تضاريس الهور كما يحفظ خطوط كفّه. لم يكن يحمل كاميرا في صغره، بل مجدافًا، ولم يكن يتخيّل يومًا أنه سيستبدله بعد سنوات بأداة توثق موت المكان الذي نشأ فيه.
“ماي الهور دمي”، يقولها بصوت متعب يشبه الريح العابرة فوق أرض متشققة. يخرج كل صباح إلى الهور الجاف، يصور ما تبقى من حياة تحولت إلى رماد: أسماك نافقة، بيوت قصب خاوية، زوارق مقلوبة، وجواميس جفّ اللحم عن عظامها.
يقول: “أنا ابن الهور، والموت ما يخوفني. اللي يخوفني هو النسيان… نسيان الهور، نسيان أصواتنا، نسيان الماي”.

كانت الأهوار، الممتدة بين دجلة والفرات جنوب العراق، تُعرف كأكبر نظام بيئي من نوعه في الشرق الأوسط. لعبت دورًا مهمًا في التوازن البيئي، واحتضنت تنوعًا بيولوجيًا هائلًا من الطيور والأسماك والنباتات، وكانت موطنًا لحضارات ضاربة في القدم مثل السومريين. لكنها أصبحت اليوم مسرحًا لأزمة بقاء.
منذ عام 2023 بدأت المياه تتراجع بشكل متسارع، بعد انقطاع الإطلاقات المائية من تركيا وإيران، وارتفاع نسب الملوحة والتلوث في المسطحات المتبقية. الأسماك بدأت تموت جماعيًا، الجاموس أصابه المرض، ومعه غادر كثير من السكان دون ضجيج.
يعزو خبراء بيئيون ومسؤولون محليون هذا التراجع إلى عوامل إقليمية معقدة، أبرزها بناء السدود في تركيا وإيران، ما أدى إلى خفض منسوب المياه الداخلة إلى العراق بنسبة تصل إلى 60%. ورغم المناشدات العراقية المتكررة، لم تُبرم حتى الآن اتفاقيات مُلزِمة تضمن حصة عادلة للعراق من المياه.
رعد الأسدي، ناشط بيئي من منطقة الجبايش، يصف المشهد من الداخل: “الجفاف دمّر الحياة في الأهوار. عشرات القرى هجّرت بالكامل. لم تعد هناك زراعة ولا صيد ولا مصادر للرزق. البيئة أصبحت طاردة للبشر والحيوان معًا”، ويضيف أن مناطق واسعة مثل الحلاب، شان حلاب، حسجة، وغيرها، تحولت إلى أراضٍ متشققة لا أثر فيها للماء أو الحياة.
بحسب حازم عبد الستار، المدير السابق لدائرة الهجرة في ذي قار، فإن أكثر من 10,450 مواطنًا اضطروا إلى ترك مناطقهم بسبب الجفاف الحاد في عامي 2023 و2024. “نحن نتحدث عن أزمة تهجير صامتة”، يقول عبد الستار. “غالبيتهم من سكان الأهوار، ولا توجد لهم بدائل سكنية أو تعويضات أو حتى اعتراف رسمي بما جرى”.

من بين هؤلاء ناظم جواد، نازح من أهوار الجبايش، يروي القصة من وجهة نظره: “كنا نعيش على صيد السمك وتربية الجاموس. فجأة جف كل شيء. الجاموس مات، والماء صار مرًّا كالعلقم. لم نجد خيارًا سوى النزوح إلى أطراف مدينة الناصرية، لكن المدينة لم تحتوي معاناتنا، ولا نحن عرفنا كيف نبدأ من جديد”.
نزوح سكان الأهوار لا يعني فقط فقدان مأوى، بل يعني أيضًا تفكك البنية الاجتماعية القائمة على العائلة الممتدة، وانقطاع جيل كامل عن تراثه الشفهي، مثل الأغاني، الحِرَف، واللهجات الخاصة التي كانت سائدة في القرى الغارقة بالماء. يُخشى أن تتحول هذه الهويات الثقافية إلى مجرد ذكريات مبعثرة.
في حزيران 2025، التقط علاوي صورة لآلاف الأسماك النافقة تغطي سطح الهور. نشرها على صفحته، وانتظر رد فعل، لكن لم يتحرك شيء. “القرى ماتت قبلي”، يقول. “ثلاثون قرية هجرت، ثلاثون لهجة انطفأت. كل قرية كانت تغني للهور… اليوم حتى الهور ما يرد السلام”.
كاميرته صارت سلاحه الوحيد. لا دعم من الحكومة، ولا منظمات بيئية، ولا حتى إنترنت كافٍ لنشر ما يصوره، لكنه لا يتوقف. يواصل التوثيق والنشر، يدفعه صوت داخلي لا يهدأ: “إذا سكت، أموت مرتين؛ مرة من الجفاف، ومرة من النسيان”.

رغم إدراج الأهوار على لائحة التراث العالمي عام 2016، إلا أن هذا التصنيف لم يتجاوز كونه شرفيًا. لا وجود لمشاريع إنقاذ، ولا خطط لدعم السكان، ولا إدارة حقيقية للموارد المائية. وعلى الرغم من الوعود الحكومية المتكررة بإنشاء برامج حماية مستدامة، لم تُرصد ميزانيات كافية، ولم تُنفذ خطط استراتيجية واضحة. المشاريع القليلة التي انطلقت توقفت بعد أشهر بسبب الفساد أو نقص التمويل، ما جعل تصنيف التراث بلا أثر فعلي على الأرض.
علاوي الأهواري ليس صحفيًا ولا موظفًا رسميًا. هو واحد من أبناء الهور الذين اختاروا أن لا يصمتوا. وبينما تموت الأهوار يومًا بعد يوم، يواصل التصوير، على أمل أن يصل صوته — إلى العالم، أو إلى قطرة ماء تائهة في الطريق.
رأيكم / ن حول هذا الموضوع يهمنا ، يمكنكم / ن التعليق مباشرة على صفحاتنا في مواقع التواصل الاجتماعي كما يمكنكم/ ن الاتصال بنا عبر الايميل أو رقم الواتساب.



